بين الأمل والرجاء، وبين منحدرات اليأس المخيفة، وبين التطلع الى قمّة الأمل بالتفوق والانتصار، يتساءل البعض عن سبب تراجع قوة الدولة مقابل ظهور اكثر من قوة في المجتمع؛ دينية – ثقافية – اقتصادية، وهي تنتظم في مؤسسات وكيانات، وإن لم تنتظم بالشكل المطلوب، بيد أنها تشكل اليوم داينمو الحركة في الحياة السياسية في العراق، في حين يتذكر العراقيون تجربة نظام الحكم القوي في عهد صدام، في مقابل المجتمع المكبّل والمكبوت؟.

بداية؛ يجدّر بنا التذكير بحقيقية تاريخية تكشف جانباً من اسباب تجذّر حالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق طيلة العقود الماضية، وما يزال.

إن نظرة سريعة على تاريخ العراق القديم والحديث تبين لنا مدى قوة المجتمع برموزه وتراثه، مقابل غياب لمفهوم الدولة الخاصة بهذه البقعة الجغرافية، وهذه المفارقة تمخضت عن حالة شدّ وجذب بين الاثنين، تفجّرت في انتفاضات جماهيرية قابلها القمع الدموي من قبل الحاكم، مع لون آخر من العلاقة بين الاثنين، اتسمت بالتراضي او التخادم – إن جاز التعبير- بين الحاكم وشرائح معينة بغية تحقيق مصالح معينة، كما حصل مع شريحة الادباء والعلماء والاثرياء، واستمر الحال الى عهد الاستعمار البريطاني الذي يفترض أن يشقّ طريقاً جديداً نحو تشكيل دولة مستقلة بمؤسساتها وقوانينها.

بينما اذا القينا نظرة على بقاع أخرى على الخارطة السياسية، وجدنا – مثلاً- ايران وافغانستان، فهي لم تعان من آلام الاختلال في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحتى وإن حصلت فيها تغييرات جوهرية وكبيرة، يبقى كيان الدولة، كمفهوم وممارسة على الارض في وجدان المجتمع، وبالامكان سريعاً ترميم أي تصدّع يحدث بسبب التحولات السياسية، سواءً على شكل انقلابات او حروب او ثورات، وتعود الامور الى مجاريها، ويأمن الناس استمرار حالة الفوضى، كما حصل في ايران الثورة على النظام الملكي، وافغانستان الحرب على نظام طالبان، فلم يشهد هذان البلدان المشاكل المعقدة التي شهدها العراق بعد الحرب التي قادتها اميركا للاطاحة بنظام صدام عام 2003، علماً أنها انتهت قبل عام واحد من الاطاحة بنظام طالبان في افغانستان، وحسب علماء السياسية فان "الدولة مؤسسة انسانية"، بيد أن المشكلة ظلت قائمة في كيفية تجسيد المفهوم الانساني في ممارسة السياسة؟ والسؤال الأكثر دقّة؛ من المخوّل تجسيد هذا المفهوم وتحقيق هذا الهدف الحضاري الكبير؟

في دولة الانقلابات والديكتاتوريات، جاءت اميركا لتجسيد هذا المفهوم من خلال "تجربة ديمقراطية جديدة" يفترض أنها تكون نسخة محسنة من "الديمقراطية البريطانية" التي جاء بها الاستعمار الاول بعد فترة انتداب اعقبها الإعلان عن الدولة العراقية عام 1932، وقد أسهب الخبراء والباحثون في الغرب ولاسيما في اميركا، من اكاديميين وعسكريين في القدح بتصدير هذه الديمقراطية كونها جاءت تحت تهديد السلاح، وإلا لما كانت مؤسسات صدام العسكرية والمخابراتية والحزبية لتزول بتلك السرعة الخاطفة.

بيد أن القاسم المشترك بين التجربتين كان هو السرطان النائم في خلايا الدولة العراقية منذ قرن من الزمن وما يزال، فالبريطانيون أسسوا للقوة في مؤسسات الدولة، مثل الجيش والحكومة، فكان التغوّل في هذه القوة الى درجة أحرجت المعنيين في الغرب أمام العالم، الامر الذي جعلنا نجد جورج بوش يصطحب معه في جولات ولقاءات عدّة، رئيس الوزراء البريطاني؛ طوني بلير، وبات من الصعب السكوت على جرائم صدام الفضيعة وسياساته الرعناء في الداخل والخارج.

أما الاميركيون فقاموا بالعكس؛ أطلقوا الدعوات العالية بتأسيس مؤسسات المجتمع المدني ودعوا الى حرية الاحزاب، ثم اقتربوا قليلاً من الجسم الاجتماعي ونادوا همساً بحرية المرأة وما يعدونه "حقوقاً" سياسية او اجتماعية، وربما تحدثوا بصوت عالٍ في بعض المناسبات، بينما أجهزوا على مؤسسات الدولة منذ الايام الاولى من وصولهم العراق، فالقضية ليس استهداف المؤسسات التابعة لصدام، وإنما استهداف البنية التحتية للدولة العراقية برمتها، وتأسيس نظام جديد مستوحى من النمط الاميركي في شكل الدولة، حيث تكون القوة ليس لرئيس الجمهورية والبرلمان والقادة العسكريون، وإنما للقانون، لذا فانها "قوية بشكل استثنائي، إذ تمتلك الكثير من مؤسسات القسر والإكراه القادرة على فرض كل شيء تقريباً، من قواعد المرور الى القوانين التجارية الى احكام الانتهاكات الاساسية..."، وهذا النوع من القوة التي يفسّرها فوكوياما في كتابه "بناء الدولة"، يربي شعباً لايكون افراده "مواطنين مطيعين ملتزمين بالقانون مقارنة بمواطني الديمقراطيات المتقدمة"، كما هو الحال في اليابان او بريطانيا او بلاد اوربية متقدمة في هذا المجال.

وهذا ما جعل الكثير من الباحثين الغربيين يشيرون الى الفشل الذريع لمحاولات غربية في القرن الماضي لتأسيس دول بحدود جغرافية مستحدثة على الخارطة في القارة الافريقية والآسيوية، لان هذه الدول إن نجحت في تشكيل انظمة حكم قوية في زمن ما، لكنها كانت تحمل في الوقت نفسه اسباب الموت في داخلها، وهو الفوضى الداخلية والحرب الأهلية، كما شهدنا ذلك في جميع البلاد التي زالت عنها قبضة الديكتاتوريات العسكرية والسياسية.

هنا السؤال:

هل بالامكان أن نشهد دولة قوية بمؤسسات قانونية تحتكم الى المنطق والعقل، الى جانب مجتمع قوي بوعيه وثقافته؟

المفكرون الاسلاميون قدموا إجابات على هذا التساؤل منذ زمن بعيد، بيد أن اسباباً، ربما تكون معروفة، جعلت بعضها على الهامش، والبعض الآخر محارب، لأن تحقيق طموح حضاري وكبير كهذا، يعني ظهور نموذج متكامل لدولة ذات سمة عالمية تترك تأثيرها العميق والسريع في شتى انحاء العالم، لنأخذ مثالاً واحداً من أمثلة عدّة في ما أبدع فيه الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- حيث بين أن الدولة في الاسلام مبنية على قواعد انسانية واخلاقية ، فهي دولة العدل وليس الجور والقهر، ودولة الانصاف وليس الضرائب المجحفة، ودولة "تيسير الشؤون" وليس دولة البيروقراطية والروتين القاتل، ودولة الشورى والتداول السلمي للسطلة، وليست الديكتاتورية، ودولة التوزيع العادل للثروة.

هذا النمط هو الذي يحفظ مؤسسات الدولة من فيروس الديكتاتورية، كما يحفظ المجتمع من فيروس الفوضى، فيحفظ للجميع حقوقه ويبين واجباته، بل واكثر من ذلك؛ تعزز العلاقة البناءة بين الجانبين ليتجه الجميع قدماً نحو التطور والتقدم في المجالات كافة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1