يبدو من مختلف المعطيات والحقائق الجيوسياسية، أن المنطقة لن تتمكن من الاستقرار السياسي العميق، إلا بتفكيك الدولة الاستبدادية المهيمنة على كل شيء. لأن تفكيك هذه الدولة هو الذي يفتح المجال واسعاً، للتحكم بالراهن والمستقبل.. ولقد أبانت كل الأحداث والتطورات، أن الدول الديكتاتورية هي المسؤولة عن تجويف كل الإمكانات والقدرات، كما أنها هي العقبة الفعلية التي تمنع التقدم والتحرر من كل العراقيل والمعيقات التي تمنع السيطرة على أسباب التطور والتقدم. فالدولة المستبدة والمتغولة على شعبها والمهيمنة على كل مقدراته، هي المشكلة الحقيقية التي تمنع التقدم وصناعة المستقبل بما يرضى به أبناء الشعب..

لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع التقدم، هو تفكيك الدولة الظالمة المستبدة والمسيطرة على كل القدرات والإمكانات..

وفي تقديرنا أن بناء دولة مدنية -تمثيلية – ديمقراطية في العراق، هي البداية الفعلية لامتلاك أسباب التقدم والتطور في هذا البلد، وذلك للاعتبارات التالية:

إن قوة الدولة وصلابتها الحقيقية، نابعة بالدرجة الأولى من التفاف الناس عليها وتمثيلها لقوى الناس المختلفة.. ويبدو من مختلف الوقائع أن الدولة المدنية التي تمثل جميع الحساسيات والاعتبارات هي القادرة على صياغة المجتمع على أسس أكثر عدالة وحرية.. وهذا ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية والإسلامية..

ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: إن قدرة النخب السياسية والاجتماعية والدينية في العراق على بناء دولة مدنية، هي القادرة على إنهاء كل المشاكل التي تعاني منها الساحة العراقية..

فالدولة ليست مزرعة لنخبة أو فئة أو شريحة أو طائفة، والتعاطي مع الدولة بوصفها مزرعة، هو السبب العميق لفشل النخبة السياسية في العراق.. ولا علاج إلا بتغيير البنية السياسية والثقافية.. التغيير الذي لا يؤسس للفوضى، كما لا يعيد صناعة المعادلة القائمة بحيث تسيطر الدولة على كل المقدرات والطاقات..

إن الدولة المدنية في حقيقتها وجوهرها، تقف بالضد من دولة الرأي الواحد والزعيم الواحد..

وأغلب مشاكل العراق الحديثة، تعود في جوهرها إلى البعد التاريخي، حيث الدولة العراقية التي هيمنت على العراق عقودا طويلة، هي دولة الزعيم الأوحد الذي يسيطر على كل شيء في الدولة.. والتحرر من شكل هذه الدولة بدون التحرر من بنيتها، يعيد إحياء ذات المشكلة مع تغير عميق في الشريحة أو الطبقة التي تتحكم بالدولة..

وهذا بطبيعة الحال، لا يؤسس إلى حالة صحية في الاجتماع السياسي العراقي..

لذلك فإن بناء الدولة المدنية في العراق، يتطلب الالتزام بقيم الحرية والتعددية، بحيث تكون الدولة لجميع المواطنين.. والوصول إلى هذا المستوى يتطلب:

التحرر من ثقافة الشعارات الفضفاضة، التي لا تغير من الواقع شيئاً.. والعراق لا يحتاج إلى شعارات أيدلوجية كبرى، وإنما يحتاج إلى أعمال عظيمة وكبرى في كل الحقول والمجالات..

بناء حقائق المشهد السياسي على أسس التنافس السياسي، وليس الطائفي أو القومي.. لذلك فثمة حاجة لبناء أحزاب سياسية وطنية بعيداً عن الانقسام الطائفي والقومي.. فالتحرر من الانقسامات الطائفية والقومية في العراق يقرب المشهد العراقي من بناء دولة، ليست مزرعة لأحد من المكونات أو القوى السياسية، ويصيغ الواقع العراقي على أسس أكثر صلابة وقدرة على الاستمرار..

إن المجتمعات المتنوعة والمتعددة، بحاجة إلى دولة حاضنة لجميع حقائق التنوع الموجودة في المجتمع.. وفي تقديرنا أن العراق بوصفه مجتمعاً متنوعاً، هو بحاجة إلى دولة متعالية على انقسامات المجتمع، دون الاستعلاء على المجتمع.. وهذه الدولة هي الدولة المدنية التي تنطلق من مبادئ وأسس يقبلها الجميع وفي ذات الوقت قادرة على احترام كل الحساسيات والاعتبارات.

وهذا لن يتم إلا في ظل دولة مدنية، تمثيلية، ديمقراطية وأية دولة أخرى ستكون بطريقة أو أخرى طاردة لبعض الشرائح والمكونات..

فعدالة الدولة في العراق اليوم، مرهونة بقدرة العراقيين، على بناء دولة مدنية، محايدة تجاه عقائد كل المواطنين، ومعبرة عن احترام عميق لعقائد الجميع أيضاً..

ودون ذلك سيبقى العراق، يعاني الكثير من الويلات.. والشراكة السياسية في العراق، مرهونة إلى حد بعيد على طبيعة الدولة والنظام السياسي والإداري فيها..

ويبدو وبفعل حالة الانقسام الطائفي والقومي في العراق، ووجود تنوعات مع طموحات سياسية مختلفة، لن يستقر وضع العراق إلا بدولة لجميع العراقيين.. ولا دولة لجميع العراقيين، إلا الدولة المدنية..

والوصول إلى بناء دولة مدنية في العراق، ليس مستحيلاً وإنما هو بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة في العراق تعلي من شأن القيم المدنية دون الافتئات على القيم الدينية.

وبحاجة إلى حوامل بشرية، تسعى لتبني خيار الدولة المدنية بوصفها هي خشبة الخلاص لكل العراقيين..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0