عندما نراجع الأحداث التاريخية المعاصرة للعراق بنظامها الحالي وخصوصا المعنية بسلامة المواطن نرى ظاهرة تكرار الفواجع والكوارث والمصائب مثل حادث جسر الأئمة العام ٢٠٠٥ واخرها المعنية بحريق مستشفى اليرموك او قبلها العملية الإرهابية في الكرادة.

ولعل السؤال الذي لم نحصل اجابة عليه طوال هذه السنين من القضاء العراقي او الحكومة التنفيذية (او حتى التشريعية المؤتمنة من قبل الشعب على مراقبة ومتابعة اداء اجهزة الدولة، هي عن الاسباب الادارية في هذا الاهمال والتقصير وطبيعة تبعات السماح لهذه الكوارث الانسانية (وليس الطبيعية) من التكرار بل زيادتها عدداً وحجماً؟

ومن الضروري ان نذكر ان علم الادارة يُشخص ويؤكد ان حدوث الكوارث دوما يكون بسبب تراكم الاخطاء وهي متعددة الأطراف ولو بدرجات مسؤولية مختلفة ومن هذا المنطلق تراها تؤكد بضرورة استحضار الادامة والسلامة في تصاميم بناء كل المشاريع.

لكي نفهم هذه الظاهرة من الضروري ان نتعرف على شيء اسمه (ستراتجية إدارة المخاطر) التي نفتقد لمعرفة الكثير عنها، وهي إسم أطلق على طريقة الادارة المنطقية والمنهجية والمنظمة في القطاعين العام والخاص في تحديد المخاطر المحتملة (وليس التي وقعت فعلاً) وايجاد آليات معالجتها بعد تشخيصها وتحليلها وتقدير درجة خطورتها وسبل الحلول والاشراف.

وهي ممارسة الإدارة السليمة بإجراءات تساعد في تطوير اتخاذ القرارات، وهي طريقة منطقية ومنظمة وممكنة لتحديد ظروف العمل المحتملة المستقبلية وتتجنب الخسائر او تقلل من آثرها السلبية ان وقعت. وهناك تعريف اعم وابسط لإدارة المخاطر والمتعلق بتحضير خطط بديلة في حالة تأثير الحوادث، المتوقعة وغير المتوقعة، تأثيرا عكسياً على رأس مال المصرف.

هذا المنهج الاداري عادةً يساعد المدراء على الافادة من مواردهم المحدودة المتاحة وتحسين إدارتهم ويعطيهم المقدرة على الاستشراف والتخطيط ويعطيهم دليلاً شاملاً للقادم المحتمل. وإدارة المخاطر مهارة معترف بها عالمياً وذات قيمة حقيقية في تنظم إدارة المؤسسات وهناك مناهج دراسية رسمية تمنح شهادات عليا فيها.

تحديدها:

عموما الابعاد الاساسية في تحديد مخاطر الحدث هي اثنان، الاولى احتمالية الوقوع، والثانية درجة تداعياته. وهنا نرى الخوض في فهم امور مهمة مثل ما الأثر الذي قد يترتب على وقوع الحدث؟ وما هي تكلفة وعواقب ذلك الحدث اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً واداريا؟. فهناك على سبيل المثال ما يسمى بالمخاطر الكبرى (الأساسية) التي يهدد حدوثها اهداف وغايات المؤسسة او الدولة.

وهنا نرى الادارات توثق خطتها الخاصة بإدارة المخاطر وتشرح للمعنيين بها أسباب انتخاب الخطر وأسباب العلاج المقترح مع تحديد المسؤوليات المخصصة وإجراءات الرقابة أو التقييم مع الافتراضات المتعلقة بالمخاطر المتبقية ودراسة افتراضاتها وقراراتها المبنية على الأوضاع التي تخضع للتغيير مثل تطور الأعمال وتغيير بيئة العمل. وضروري ان لا ننسى ان نذكر اهمية مراجعة سياسات وقرارات إدارة المخاطر دورياً من أجل تحديد مدى دقة افتراضات التخطيط ومدى فاعلية الإجراءات المتخذة لمعالجة المخاطر وطريقة تقييم البيانات والتدقيق وإجراءات المطابقة.

ادارة المخاطر:

ومن أهم الخطوات التي تقوم عليها إدارة المخاطر هي تهيئة البيئة المطلوبة للعمل ومن ثم تحديد المخاطر وتحليلها ومن بعد ذلك تقييمها وأخيرا معالجتها. علما ان طبيعة المخاطر تعتبر نشطة وقابلة للتغيير ولذلك نرى من الضروري ان تستمر بممارسات الرقابة للخطر ومراجعتها بين الحين والآخر وايصال الجديد فيها للقيادة.

ادارتها:

ومن بديهيات ادارة المخاطر هي تعيين درجات الاحتمالية لوقوع الخطر ولعل اعلى درجة هي أكيد غالباً ثم وشيك ثم ممكن ثم غير محتمل وأقلها نادرة الحدوث. واما بخصوص العواقب ودرجاتها فاعلاها هي العواقب القصوى ثم الفائقة ثم المعتدلة ثم الضعيفة وأخيراً هناك ما يوضع ضمن خانة لا يعتد به.

وهناك تسميات ودرجات اخرى مثل نوعية المخاطر تحدد بآثار مختلفة مثل عالية الخطورة، معتدلة الى عالية، معتدلة، منخفضة الى معتدلة، منخفضة الخطورة.

طبعا هناك فرق جوهري بين إدارة المخاطر وإدارة الأزمات، فإدارة المخاطر ممكن ان تساعد القيادات في إدارة ازماتها لأنها حضَّرت واستشرفت الأزمة وأوجدت خطة الف او باء او جيم مسبقاً لمعالجتها. من جانب اخر إرادة الأزمة تتعامل مع واقع حدث، اما إرادة المخاطر فهي تخطط للمحتمل ان حدث.

ضروري ان نذكر ان إدارة المخاطر تكون أسهل وأسرع في التعاطي الايجابي معها في المجتمعات التي تعطي أهمية قصوى للسلامة والادامة ورعاية مواطنيها ومجتمعها. فهذه المجتمعات تكون عموما متمسكة بثقافة استكشاف المخاطر المُحتملة وتحضير المستلزمات الادارية لها والتي بنيت على مراحل كثيرة واجيال متعاقبة. ففي اليابان مثلا نرى كل المجتمع يعطي اولوية في إدارة المخاطر المتعلقة بالزلازل والكوارث الطبيعية، من جانب اخر نرى المجتمع الامريكي لا يقبل بالتساهل حتى مع أكبر مسؤول بشأن التسيب الأمني وخصوصا بعد احداث ١١ أيلول ٢٠٠١. فإدارة المخاطر تحتاج الى تقنيات منهجية متعددة واستعداد نفسي واجتماعي ومهنية عالية في التعاطي الإيجابي معها. وهنا ضروري ان نفهم ونشخص ايضا وضوح طبيعة العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، وبين المواطن والمواطن في الشؤون المعنية بإدارة المخاطر.

الواقع العراقي

مثلا هنا نرى بوضوح في البلدان المتقدمة، مقارنةً بواقعنا العراقي، قلة القتلى او المصابين في الحوادث الكبيرة، هذه ليس بصدفة، بل لان حفظ قيمة الانسان ودمه وماله وكرامته عندهم اهم من عدم المس بموقع المسؤول او بتوفير بَعْض المال هنا او هناك او بالتخلي عن اداء واجبهم.

الادارة الصحيحة للدولة تؤدي عموما الى حفظ كرامة الانسان وسلامته، ومن الضروري ان نستحضر دوما ان هناك معادلة طردية بين هدف وجود الحكومات، وهي لرعاية سلامة وكرامة ورفاهية المجتمع، وبين شرعيتها.

من جانب اخر ضروري ان نعرف ايضا دور ومسؤولية المواطن في هذه الامور، اذ بَعضُنَا يراها قضاء وقدر وترى معايير السلامة عنده ناقصة وغير مدرك لمستلزمات نجاحها فترى المجتمع يعول فقط على بعض المفاهيم العقائدية مثل التوكل على الله، او الله كريم، هاملاً السعي لإيجاد مستلزمات القوة مثل تفعيل آلية إدارة المخاطر.

مهارة وآلية إدارة المخاطر تترسخ مع وجود خصال اجتماعية اخرى مثل تحمل المسؤولية (الفردية منها او الجماعية) والتي تتفرع منها الكثير من الايجابيات التي تساعد المجتمع في عبور ازماته باقل مجهود.

افتقادنا او ضعف وجود هذه الخصلة، وخصوصا بين المسؤولين في الدولة، جعل احتمالية تكرار المصائب او الكوارث عالية وذلك أولاً لقدم البنى التحتية وذلك يعني احتمالية زيادة الكوارث وثانيا لأننا لم نشخص من او ماذا كان سبب الكارثة المعينة وسبل معالجتها، علما ان في علم الادارة هناك نوعان من المسؤولية الأولى معنية بالمسؤولية المباشرة عن الكارثة، والثانية متعلقة بالعنوان الثانوي ولكنه مهم جدا وجوهري ايضاً وهي المسائلة على السماح للكارثة بالوقوع وخصوصا اذا كانت هذه الكوارث عالية الاحتمالية وذا وقع سلبي كبير جدا.

التطبيقات الستراتيجية:

قد يقول قائل ان الكاتب يبحث عن الكمال ونحن نحتاج الى تأمين الأساس اولا، هذا يكون صحيح لو ما ذكرته أعلاه غير متعلق بأمهات الأسس الصحيحة التي من المفروض ان نطبقها. لأبين أهمية معرفة وتطبيق والالتزام باستراتجية إدارة المخاطر في يوميات دولتنا ومؤسساتنا الحكومية والأهلية فسأتحدث عن اربعة أمثلة عن ادارة مخاطر على مستوى استراتيجي.

أولا فلنأخذ الاعتماد الكلي على بيع وتصدير النفط كالسلعة الاولى والرئيسية بامتياز، علم إدارة المخاطر يشخص لنا انها سلعة قابلة للعرض والطلب وتقل أهميتها مع الزمن نتيجة ازدياد الاعتماد على الطاقة البديلة بأنواعها المختلفة، من جانب اخر ترانا كمجتمع ازداد اعتمادنا عليها ولم نبني البنى التحتية البديلة. وهنا يأتي سؤال إدارة المخاطر في ما هي الاليات لإدارة مخاطر ملفات مالية مهمة مثل الموازنة العامة، والتي فيها نحدد السعر المتوقع او السعر المتنبأ لبرميل النفط (وهي تمثل ٪٩٥ من الايرادات)، وعليه فالموازنة سوف لن تكون مستقرة.

المثال الثاني متعلق باعتماد العراق على السياحة الدينية او الاثرية لازدياد وارداته مقابل النفط كمصدر أساسي للدولة، يعني الحاجة الى تهيئة اجواء مناسبة وصحية للسواح. هنا نرى اهمية ادارة المخاطر خصوصاً ان شركات السياحة واجواءها تتسم بالحركة، والتغيير،،التنوع، واستخدام التكنولوجيا وهي من اكثر القطاعات في العالم تأثراً بالاستقرار والسلام العالمي. من جانب اخر ما هِيَ الإجراءات الاحترازية في حفظ تاريخ وتراث العراق مع زيادة التطرّف الديني السلفي الجهادي وماذا عن مخاطر اندثار او مسح من التاريخ نهائيا موضوع حماية المواقع والمعالم الأثرية مثل الحفظ الالكتروني للملفات.

المثال الثالث متعلقة بطريقة تعاطينا كمجتمع ودولة مع الكوارث الكبيرة المهولة مُثُل احتمالية دمار سد موصل، هنا نرى ضعف المجتمع في ادراك الكارثة مقابل ضعف تحضيرات الدولة لإدارة مثل هذا الخطر. كان اغلب الحديث حول احتمالية دمار السد وهل هي حقيقة او قصة صيغت لأسباب سياسية وتحدثنا قليلاً حول أثر الدمار والتحضيرات الضرورية لها.

الاستشرافات:

وأخيرا فاغلب الاستشرافات العلمية تقول ان مسار البشرية تسير بسرعة (يعني قد يكون باقل من عقد او عقدين من الزمن) نحو زيادة الاعتماد على انواع جديدة من التكنلوجيا وأنها سوف تحدد أهمية البلد الف او باء او مورد الطاقة سين او صاد.

التكنولوجيات المتعلقة

أ. بزيادة الاعتماد على الانسان الآلي،

ب. ازديادة استخدام الطابعات ذي الثلاثة ابعاد وعلى مستوى محلي.

ج. ازديادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي،

د. الاعتماد اكثر على الفضاء الالكتروني واهمية الأطراف المهيمنة عليها،

ه. ازديادة تأثير علم الجينات على الكثير من قطاعات الحياة،

و. وجود قفزات سريعة في علم البيانات.

وعليه فتفعيل إدارة المخاطر على مستوى استراتيجي كآلية عند مسؤولي البلاد سيُبين لهم ان خارطة الاقتصاد العالمية تمر بمرحلة خطرة وبتطور سريع جداً وان الوقت ليس معنا وان التكيف السريع مع هذه التحولات مهم جداً وان تحديد مسار البلاد بالاتجاه الصحيح لتجنب تداعيات هذا التطور السريع الجديد للبشرية شيء محوري وضروري وعاجل.

وهنا ضروري ان نذكر ان التاريخ يعيد نفسه ان لم نتعلم منه ونراجع أدائنا اعتمادا على الدروس التي تعلمناها مباشرة او عن طريق الفرق الاستشارية المعنية بإدارة المخاطر او عن طريق التعلم من تجارب الاخريين، اذ في الشركات الرصينة تراهم يراجعون الأداء وتعلم الدرس منه بعد الانتهاء من كل مشروع وتعتبر مرحلة المراجعة إلزامية ومخطط لها ووضعت الميزانية المناسبة لها منذ انشاء المشروع.

لكي نستطيع ان نبني العراق نحتاج ان نوجد ونرسخ مفاهيم ادارية مثل إدارة المخاطر، من دونها ودون غيرها من الخصال الإدارية المهمة فسوف لن نستطيع ان نقوي بناء بلدنا ولا نستطيع ان نبني بلد على أسس منهجية صحيحة. المهمة ليس سهلة ولكنها ممكنة جداً.

‎* لقمان عبد الرحيم الفيلي: سفير العراق السابق لدى الولايات المتحدة الامريكية وباحث مشارك في ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0