قد لا يخلو اي نقاش (امريكي _ تركي _ روسي _ سوري _ ايراني _ عراقي) من الحديث عن القضية الكردية، فرغم تشابك الخلافات والمصالح معا، استطاع الكرد ابقاء قضيتهم طافية على سطح الازمات رافضين اي حلول تغفل او تاجل طموحاتهم.

الموقع الجغرافي وطبيعة الحروب في الشرق الاوسط اعطت ميزة اخرى للاكراد جعلت دولة مثل الولايات المتحدة تنحاز لهم على حساب الدولة التركية صاحبة ثاني اكبر جيش في حلف الناتو، فالمخاوف التقسيمية والتهديد بورقة الاستقلال بغض النظر عن كل الاتفاقيات الدولية والاقليمية هي اللعبة الابرز للكرد سواء في تركيا او سوريا وايران والعراق.

وتركيا التي لم تضمد جروح الانقلاب العسكري بدت اكثر تحديا للولايات المتحدة لا سيما مع سلسلة مصالحاتها خاصة مع روسيا العدو اللدود لواشنطن، إذ توغلت قوات مدعومة من تركيا في عمق الأراضي السورية نهاية شهر اب الماضي مما أثار انتقادات من الولايات المتحدة التي قالت إنها تشعر بالقلق من أن يكون الصراع على الأرض قد حاد عن استهداف تنظيم داعش.

وفي بداية الهجوم التركي عبر الحدود وفرت الدبابات والمدفعية والطائرات المقاتلة التركية لحلفائها من المعارضة السورية قوة النيران اللازمة للسيطرة السريعة على مدينة جرابلس الحدودية من تنظيم داعش. ومنذ ذلك الحين تقدمت القوات التركية بالأساس داخل أراض تسيطر عليها قوات متحالفة مع قوات سوريا الديمقراطية وهو تحالف يضم وحدات حماية الشعب الكردية وتدعمه واشنطن في قتال التنظيم المتشدد.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يراقب الحرب الدائرة في سوريا منذ خمس سنوات إن 41 شخصا قتلوا في غارات جوية تركية مع تقدم القوات التركية جنوبا في بداية الهجوم. ونفت تركيا سقوط أي قتلى مدنيين قائلة إن 25 من المقاتلين الأكراد قتلوا.

وقال بريت مكجورك المبعوث الأمريكي الخاص للتحالف ضد داعش "نريد أن نوضح أننا نرى هذه الاشتباكات - في المناطق التي لا وجود لداعش بها - غير مقبولة ومبعث قلق بالغ". ونقل حسابه الرسمي على تويتر عن بيان لوزارة الدفاع الأمريكية قوله "ندعو كل الأطراف المسلحة إلى التوقف."

وتقول تركيا التي تقاتل تمردا كرديا على أراضيها إن حملتها لها هدف مزدوج وهو "تطهير" المنطقة من مقاتلي تنظيم داعش ومنع المقاتلين الأكراد من ملء الفراغ وتوسيع الأراضي التي يسيطرون عليها بالفعل على طول الحدود مع تركيا. ويضع ذلك أنقرة على خلاف مع واشنطن ويزيد من التوترات في الوقت الذي ما زالت تعاني فيه الحكومة التركية من آثار محاولة انقلاب فاشلة الشهر الماضي والتي تقول إن واشنطن تباطأت جدا في إدانتها. وقال البيت الأبيض إن الرئيس باراك أوباما سيلتقي بنظيره التركي رجب طيب إردوغان في الرابع من سبتمبر أيلول قبيل قمة لمجموعة العشرين في الصين.

وقال إردوغان في رسالة عشية عطلة يوم النصر "تركيا مصممة على اتخاذ خطوات لضمان أمن مواطنيها في الداخل وفي الدول المجاورة". وأضاف أن العمليات ستتواصل إلى أن تزال جميع التهديدات بما في ذلك تهديد وحدات حماية الشعب الكردية. وفي مؤتمر صحفي مع مسؤول أوروبي قال عمر جليك وزير شؤون الاتحاد الأوروبي التركي "لا يحق لأحد أن يقول لنا أي تنظيم إرهابي يمكننا قتاله." لكنه لم يتطرق إلى التعليقات الأمريكية.

أما نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتولموش فقد نقلت محطة تلفزيون (ان.تي.في) عنه قوله إن تركيا لم تشن حربا من خلال توغلها في شمال سوريا ولا تعتزم البقاء هناك. وقال قورتولموش للصحفيين في اسطنبول "تركيا ليست دولة محتلة. تركيا لا تشن حربا".

وتقدمت القوات التركية صوب منبج التي تقع على مسافة 30 كيلومترا جنوبي الحدود التركية والتي سيطرت عليها هذا الشهر الماضي قوات سوريا الديمقراطية بمساعدة أمريكية. وتردد دوي القصف المدفعي في بلدة قرقميش الحدودية التركية. في غضون ذلك قال مصدر عسكري إن تركيا ردت بقصف مدفعي بعد أن سقط صاروخ وانطلقت نيران من سوريا على بلدة كلس الحدودية التركية التي تبعد نحو 80 كيلومترا غربي المكان الذي توغلت من قوة من المعارضة السورية مدعومة من تركيا في الأراضي السورية الأسبوع الماضي.

وتترك هذه العمليات تركيا عرضة لهجمات انتقامية من داعش والمسلحين الأكراد وكليهما تنحي عليه باللائمة في سلسلة من التفجيرات على مدار العام الماضي. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية يوم الاثنين إنها تواصل تحذير المواطنين الأمريكيين من تهديد متزايد من الجماعات الإرهابية في شتى أنحاء تركيا.

تطهير عرقي

وقالت قوات سوريا الديمقراطية إنها تعزز القوات في منبج لكنها أكدت إن القوات الموجودة في المنطقة والقوات التي أرسلت لتعزيزها لا تضم أفرادا من وحدات حماية الشعب الكردية. وقالت تركيا إن مقاتلاتها ومدفعيتها قصفت مواقع تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية في الأيام الأخيرة. وتتهم أنقرة القوات الكردية بالسعي للاستيلاء على أراض لم تكن تقليديا تضم أكرادا.

وقال وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو في مؤتمر صحفي في أنقرة "وحدات حماية الشعب ضالعة في تطهير عرقي. يقومون بتوطين من يريدون في هذه الأماكن." وطالب هذه القوات بالتحرك فورا إلى شرق نهر الفرات.

ورفضت وحدات حماية الشعب المزاعم التركية قائلة إن القوات التي كانت موجودة غرب الفرات غادرت منذ فترة طويلة. والوحدات ميليشا كردية سورية قوية ضمن قوات سوريا الديمقراطية وتعتبرها الولايات المتحدة حليفا موثوقا به ضد المتشددين في الصراع السوري.

وقال ريدور خليل المتحدث باسم وحدات حماية الشعب لرويترز "المزاعم التركية بأنها تقاتل وحدات حماية الشعب غرب الفرات لا أساس لها من الصحة بل هي مجرد ذرائع واهية لتوسيع احتلالها لأراض سورية."

وقال بيتر كوك المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن الولايات المتحدة طالبت وحدات حماية الشعب الكردية بالعودة إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات لكن واشنطن تتفهم أن ذلك "حدث إلى حد كبير".

ولم تكشف تركيا ما إذا كانت تخطط لإقامة "منطقة عازلة" في المنطقة التي تقاتل فيها بشمال سوريا. وتقع المنطقة بين مقاطعات يسيطر عليها الأكراد بشرقي الفرات وأخرى إلى الغرب قرب البحر المتوسط.

وتخشى أنقرة من أن سيطرة الوحدات الكردية على مساحات واسعة متصلة من الأراضي قد تشجع حزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا منذ ثلاثة عقود على الأراضي التركية للمطالبة بحكم ذاتي في جنوب شرق تركيا.

وتقول القوات المدعومة من تركيا إنها سيطرت على سلسلة قرى جنوبي جرابلس في منطقة تسيطر عليها مجموعات متحالفة مع قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الأكراد والولايات المتحدة. وتقول كذلك إنها سيطرت على بضعة أماكن إلى الغرب من مناطق يسيطر عليها تنظيم داعش.

ترحيب امريكي بهدنة هشة

ورحبت الولايات المتحدة بتوقف في القتال على ما يبدو بين القوات التي تدعمها تركيا ومقاتلي ميليشيا كردية في سوريا يوم الثلاثاء (30 اب 2016) وكلاهما عضو في التحالف الذي يقاتل داعش لكن من غير الواضح تماما ما إذا كانت أي هدنة ستتماسك.

وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إرنست "الولايات المتحدة ترحب بالتهدئة التي تم التوصل إليها خلال الليل بين الجيش التركي والقوات الأخرى المناهضة لداعش في سوريا". وأضاف "تواصل (الولايات المتحدة) تشجيع هذه التحركات كسبيل لمنع وقوع المزيد من العمليات القتالية والخسائر في الأرواح بين جميع القوات التي تعمل ضد داعش في المنطقة".

وقال مسؤول عسكري كردي إن وقفا لإطلاق النار بين تركيا ومقاتلي ميليشيا يدعمهم الأكراد متماسك. لكن مصادر عسكرية تركية نفت التوصل لأي اتفاق من هذا القبيل في حين اكتفى قائد بقوات المعارضة السورية المدعومة من تركيا بوصفه بأنه "توقف مؤقت" وقال إن العمليات العسكرية قد تستأنف قريبا.

ودفع التوغل التركي واشنطن إلى الإسراع بحمل حلفائها الذين يناصب بعضهم بعضا العداء على تركيز قوة نيرانهم على داعش بدلا من توجيهها نحو بعضهم البعض بعد اشتباكات هددت بكشف استراتيجية الحرب الخاصة بالولايات المتحدة في سوريا.

وفي باريس قال الرئيس الفرنسي فرانسوا أولوند يوم الثلاثاء (30 اب 2016) إنه يتفهم حاجة تركيا للدفاع عن نفسها لكن استهداف القوات الكردية التي تقاتل الجماعات المتشددة قد يزيد من إشتعال الصراع السوري المستمر منذ خمس سنوات. وقال لاجتماع للسفراء الفرنسيين "هذه التدخلات المتعددة المتناقضة تنطوي على تهديد بتصعيد عام".

ساحة معركة مزدحمة

حرصا منها على تفادي مزيد من الاشتباكات بين المقاتلين السوريين الذين تدعم تركيا جانبا منهم وتدعم الولايات المتحدة الجانب الآخر قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش ينشئ قنوات اتصال لتحسين التنسيق في "ساحة معركة مزدحمة". وقال المتحدث باسم البنتاجون ماثيو الين "تحسين تنسيق الأنشطة المسلحة في شمال سوريا سيسعى لضمان سلامة جميع القوات".

في غضون ذلك ذكر شرفان درويش المتحدث باسم المجلس العسكري لمنبج إن وقفا لإطلاق النار بين تركيا والمجلس العسكري لجرابلس المدعوم من الأكراد مازال صامدا. والمجلسان متحالفان مع قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة والتي تضم جماعات منها وحدات حماية الشعب الكردية التي تقاتل ضد تنظيم داعش وتتوسع على طول حدود سوريا مع تركيا.

وقال المجلس العسكري لجرابلس لاحقا إن وقف إطلاق النار المؤقت "تحت إشراف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة". ونفى مصدران كبيران في الجيش التركي التوصل لاتفاق بشأن هدنة من هذا القبيل. كما قال قائد بإحدى جماعات المعارضة المسلحة السورية التي تدعمها تركيا والتي تقاتل الجماعات المتحالفة مع قوات سوريا الديمقراطية في جرابلس قال إنه لا يوجد وقف إطلاق نار بل توقف مؤقت للعمليات العسكرية.

وأضاف قائلا "لا توجد هدنة ولا وقف إطلاق نار ولكن تم التوقف لبعض الوقت على أن تستأنف قريبا إن شاء الله". كما رفض مسؤول أمريكي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته وصف التوقف في القتال بأنه وقف لإطلاق النار في حد ذاته بيد أنه قال إن النية مشابهة لذلك.

أحداث بعد الانقلاب علامة فخر تركي

كان قائد الجيش التركي أشار في وقت سابق أنه لا هوادة في الهجوم الذي تشنه أنقره في سوريا قائلا إن النجاحات أظهرت أن الانقلاب الفاشل في تركيا الشهر الماضي لم يضعف القوة العسكرية لبلاده.

وقال قائد هيئة الأركان العامة التركية الجنرال خلوصي عكار في بيان لإعلان عطلة وطنية "بمواصلة (عملية) درع الفرات والتي هي حاسمة لأمننا القومي ولأمن جيراننا تظهر القوات المسلحة التركية أنها لم تفقد شيئا من قوتها".

ولا تزال تركيا تئن تحت وطأة محاولة انقلاب في يوليو تموز استخدم خلالها قادة عسكريون طائرات حربية ودبابات في محاولة للإطاحة بالرئيس رجب طيب إردوغان والحكومة مما كشف عن انقسامات في صفوف ثاني أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي.

وفي عملية تطهير لاحقة لمن يشتبه بأنهم متعاطفون مع الانقلاب عُزل 80 ألف شخص من كل من الخدمة المدنية والجيش بما في ذلك العديد من الجنرالات والضباط والجنود.

وفي هجومها على سوريا استولت القوات التركية وحلفاؤها من القوات التابعة للمعارضة السورية على سلسلة من القرى في مناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية وتقدمت صوب منبج وهي مدينة استولت عليها قوات سوريا الديمقراطية من تنظيم الدولة الإسلامية هذا الشهر في حملة دعمتها الولايات المتحدة. وتقول تركيا إن قواتها ضربت عدة مواقع تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية.

وتقول الوحدات إن قواتها انسحبت من المنطقة قبل الهجوم التركي وعبرت بالفعل نهر الفرات بناء على طلب أمريكي بالانسحاب إلى الضفة الشرقية للنهر الذي يمر في سوريا وإلا فقدت الدعم الأمريكي. وفي المقابل تريد تركيا أن تمنع القوات الكردية من السيطرة على أراض تقع بين مناطق إلى الشرق والغرب من التي تسيطر عليها بالفعل لتنشئ بذلك ممرا كرديا متصلا جغرافيا على الحدود الجنوبية لتركيا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2