العلاقة بين الحكومة المركزية في بغداد وإقليم كردستان تشوبها الأزمات المزمنة فما بين تناقضات استعلاء الجزء على الكل تقبع مشاكل البلاد وتغفو في سبات عميق، إذ لا يمكن الفصل بين تناقضات هذه العلاقة الملتبسة، فمن يبحث الاستقلال عن الاخر؟ العراق الدولة الام، ام إقليم كردستان بمحافظاته الثلاث (أربيل، دهوك، سليمانية)، فالواقع يتحدث عن سطوة الإقليم على المركز وكل قرار تتخذه بغداد يجب ان يمر عبر البوابة الكردية، حتى وان حظي بالإجماع، فللكرد كلمتهم الفصل.

سنوات مرت والحكومة العراقية مكبلة بالغطرسة الكردية والاستعلاء الاجوف، إذ استفاد الإقليم من علاقاته بالولايات المتحدة، وتمزق الكتل السياسية الاخرى التي انحازت للدول الاقليمية كلٌ حسب انتمائه الطائفي، كما استثمر الكرد ايضا وزارة الخارجية سابقا لتدويل قضاياهم وحشد أكبر عدد من الدول للوقوف بجانب الكرد في مواجهة الحكومة المركزية التي لا تملك حولا ولا قوة الا بما تجود عليها التصريحات النارية وغالبا ما تنطفئ هذه التصريحات قبل ان تصل الى أربيل.

الكرد يتمتعون بامتيازات تجعل غير العارف يظن انهم شعب العراق المختار، فهم يحصلون على 17% من ميزانية البلد رغم ان الحصة الحقيقية هي اقل من ذلك، وبعد التقدم الكبير الذي حققوه بالجانب السياسي وأصبحوا دولة شبه مستقلة، قاموا ببيع النفط الخام من الحقول الشمالية بشكل مستقل عن بغداد رغم الاتفاق النفطي الذي عقد في فترة تولي عادل عبد المهدي وزارة النفط، حيث قطع عليهم بهذا الاتفاق الاعذار التي كانوا يتحججون بها في ظل حكومة نوري المالكي السابقة.

الحكومة العراقية وبعد تولي جبار علي اللعيبي زمام وزارة النفط خلفا لعادل عبد المهدي يبدو انها لم تعد تثق بكردستان وايقنت عدم إمكانية عقد اتفاق نفطي مع كردستان، وتدرس الان بيع الخام عبر إيران إذا فشلت المحادثات مع الاقليم حول اتفاق لتقاسم الايرادات النفطية. إذ قال فياض النعمة نائب وزير النفط العراقي في مقابلة مع رويترز أن شركة تسويق النفط العراقية المملوكة للدولة (سومو) تخطط لإجراء محادثات مع حكومة إقليم كردستان ربما الاسبوع القادم بشان النفط العراقي الذي يجري تصديره عبر تركيا.

واهم ما قاله النعمة هو الإشارة الى إمكانية إيجاد خطوط تصدير جديدة عبر ايران، بقوله "إذا وصلت المفاوضات إلى نهاية، سنبدأ في إيجاد وسيلة من أجل أن نبيع نفطنا لأننا نحتاج المال.. سواء إلى إيران أو دول أخرى".

مشكلة الحكومة العراقية هو تعاملها المرن والضعيف مع حكومة الإقليم "منتهية الصلاحية"، فهذه الحكومة التي يترأسها مسعود البرزاني بدون أي سند قانوني منذ انتهاء ولايته، تتعامل مع المركز بشكل استفزازي بصورة دائمة ولم يلحظ عليها بادرة حسن نية، وكل افعالها تنم عن استعداد للانفصال في أي لحظة وهذا ما تخشاه حكومة بغداد.

لكن الواقع ان الكرد لم يهيؤوا أنفسهم للاستقلال وهم بعيدون عن ذلك، والانقسام الحاد بين حركة التغيير والاتحاد الكردستاني من جهة والحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة أخرى قد يكون القشة التي قصمت ظهر الاستقلال الكردي.

ووفق هذا الواقع كان الاجدر بحكومة المركز اللجوء الى سلطتها لكبح جماح الكرد باستخدام مختلف الأساليب، ومطالبة الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية بالكف عن دعم مسعود البرزاني، كما يمكن للعراق ان يستفيد من التحركات التركية الأخيرة واستغلال مخاوفها من قيام دولة كردية وزيادة الاتصالات في الشأن الكردي وهو ما يحقق مصالح تركيا والعراق. لكن الاقليم هو من بادر بالزيارة وتمتين العلاقات مع الاتراك ليطمأن على مصالحه في مواجهة التحديات، وكانه اصبح دولة مستقلة مستعدة لمواجهة الظروف الطارئة باستقلالية كبيرة فيما تقاعست الحكومة العراقية في هذا الشأن كفيل بإدانتها شعبيا ومحاسبتها برلمانيا وكلا الامرين لم يحصلا!.

ربما تكون الأوضاع السياسية المتأزمة في بغداد تمنع حصول اتصالات عالية المستوى مع الاتراك، وقد تكون بعض الجهات اخذت الاوامر من الخارج بضرورة عدم التحرك ضد تجاوزات الاقليم، والتشابك في المصالح بين بعض الكتل السياسية التي تعارض تحركات الإقليم في العلن وتقيم اطيب العلاقات معه في السر، لكن ذلك لا يعفي الحكومة من التفريط بهذه الفرصة التاريخية في عقد صفقات سياسية مع انقره تردع كل من يتطاول على وحدة العراق.

نكتب هذه الحروف ومجلس النواب قد صوت بأغلبية مطلقة على عدم قناعته بأجوبة وزير المالية المنتمي لحزب البرزاني، جلسة استضافته بالبرلمان، كما اتهمه النائب هيثم الجبوري بملفات فساد ما يمهد الطريق لإقالته، وهو امر وارد اذا اخذنا في الحسبان قدرة البرلمان على اقالة وزير الدفاع خالد العبيدي، وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يقع فيها وزير كردي في هكذا موقف ضعيف، وهو ما يراه مراقبون بانه انعكاس للتحالف الجديد بين دولة القانون من جهة وتحالف التغيير _ التحالف الوطني الكردستاني, والذي يهدف الى اضعاف سلطة البرزاني وحلفائها من ال النجيفي.

ازدادت سطوة الاكراد على المركز وقامت باستقطاع مساحات ومدن كاملة من العراق وضمها لأراضي الاقليم وفق مبدأ رسم الحدود بالدم، واستولوا على اسلحة الجيش العراقي حتى بات المركز يتوسل للإقليم من اجل الحصول على بعض الامتيازات التي يتفضل بها على المركز، لكن المعادلات السياسية والعسكرية تتغير باستمرار وبغداد تزداد قوتها ونفوذها مع تقدم الجيش والحشد الشعبي لتحرير الاراضي من جماعة داعش الارهابية، وحصار الاتراك ضد الكرد سيكون خانقا هذه المرة وهذا الواقع الجديد يوفر وسيلة ضغط مجانية للحكومة المركزية في بغداد، ما يعني ان ربيع الاكراد سوف تساقط اوراقه قريبا.

انقر لاضافة تعليق
أ.دجواد كاظم البكري
العراق
استاذ مسلم اهنئك على هذا المقال الاكثر من رائع واعتقد ان الزواج المؤقت بين الاتراك والاكراد في طريقة الى الطلاق وان الاكراد اليوم هم في حضيض قوتهم لذا يكن لزاما على حكومة المركز استثمار هذا الوضع الجديد وزيادة الضغط على بارازاني لحل الملفات العالقة بين الاقليم والمركز من مثل(الموازنة، المناطق المتنازع عليها، المادة 140، النفط) ولاننسى ان هناك ضغط اميركي تركي ايراني سوري على الاكراد بدأ يتصاعد بداية الشهر الماضي ولم يبق لهم الا منفذ العراق فيجب ان نعي هذه الحقيقة..تحياتي استاذ مسلم.2016-08-31

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0