العنوان ينطوي على إحباط شديد، فما مدى دقة هذا العنوان، وما مدى اقترابه من الواقع الثقافي العربي؟، هل نحن بصدد واقع قائم على الأرض أما أننا نتكلم في هذا الموضوع الحساس، تبعا للحدس، او التخمين القائم على الافتراض، والذي يجافي الحقائق؟ من أين ننطلق عندما نعلن غياب النموذج الفكري أو حتى الإبداعي في الثقافة العربية؟.

في متابعتنا للأنشطة الثقافية العربية وهي غالبا من تجري بصورة دورية في العواصم العربية، أو في بعض المدن الأثرية حيث تقام مهرجانات ثقافية موسمية سنوية، تحتضن المئات من المثقفين والمبدعين من الدول العربية كافة؟ فمثلا هنالك مهرجان جرش السنوي في الاردن، ومهرجان المربد الشعري في العراق، وندوات خاصة في الرواية تقام في القاهرة او بيروت، بالاضافة الى الانشطة الثقافية والادبية والفنية الكثيرة في المغرب العربي كما هو الحال في مدينة مراكش المغربية مثالا.

بالاضافة الى معارض الكتب الدولية التي تستقطب العديد من الادباء والمثقفين، اما اذا تطرقنا الى الجوائز الادبية، فإن اعلان نتائجها يشكل لقاءات ثقافية مهمة تجمع معظم الاسماء المتميزة في الثقافة العربية، كما يحدث ذلك في جائزة الاديب الراحل (الطيب صالح) في السودان وهي خاصة بالرواية ثم تطورت لتشمل القصة والشعر، وهناك جائزة البوكر للرواية، وهي نسخة من الجائزة (الانكليزية) الأم التي تحمل هذا الاسم، وهي ايضا مناسبة تجمع بين رموز الثقافة والمثقفين وتشتمل على انشطة ثقافية وادبية مختلفة.

وهناك جائزة كتارا للرواية، فهي ايضا فرصة لتحقيق لقاءات وندوات وفعاليات ثقافية وادبية متواصلة لعدة أيام، ولكن أية نظرة منصفة لهذه الفعاليات فإنها في الحقيقة لم تتمخض عن نموذج ثقافي يمكن أن يشكل علامة فارقة للمثقفين او حتى لعموم الناس، نعم كثيرة هي الملتقيات الثقافية التي تقيمها عواصم ومدن عربية، ولكن في المقابل قليلة نتائجها العملية على ارض الواقع، وهذا يعكس ثقافة سلوكية شاعت ولا تزال تزدهر في العالم العربي، وهي كثرة الأقوال مقابل قلة الأفعال، لذلك هناك حاجة للبحث عن النموذج الثقافي وتجديد الخطاب فضلا عن أهمية صناعة النموذج الثقافي المؤثر في المثقف العربي.

السؤال المهم هنا ما هو المقصود بالبحث عن النموذج الثقافي العربي؟ هل نحن نبحث عن شخصية مثقفة بمواصفات وخصال معينة، أم أننا نبحث عن منظومة تقاليد ثقافية داعمة لهوية المجتمعات العربية، هل يمكن ان يصنع النموذج موجة ثقافية مؤثرة في المجتمع في ظل حالة الانحدار القيمي التي تعاني منها معظم المجتمعات العربية، بالطبع الكلام هنا لا يخص فرد بعينه، إنما نحن نبحث عن منظومة قادرة على ان تشكل هوية ثقافية للجميع.

الحاجة الى النموذج قائمة

إننا لا زلنا نعاني من فقدان الهوية الجامعة، ونعاني من ضبابية الانتماء، والسبب يكمن بحسب المختصين في تراجع الثقافة عن دورها، وفقداننا للنموذج الثقافي القادر على التأثير في الجميع، يقول بعضهم، سابقا مثلا كما كان يحدث في العهد الملكي في العراق، فإن قصيدة ثورية لشاعر يمكن أن تستثير الحس الوطني لدى عموم الشعب، فتنطلق حشود هائلة في مظاهرات عارمة يمكن أن تهز أركان الحكومة فتجربها على الإذعان لمطالب الشعب أو الأمة.

النموذج ليس حالة فردية، إنما يسهم جميع المثقفين والمفكرين والخطباء والمتنورين عموما، في تكوين النموذج الثقافي الجمعي، علما أننا لسنا بحاجة الى أنشطة ذات بعد جمالي بعيد عن اهتمامات عامة الناس، فلا يتمكن مثل هذا النشاط من ملامسة هموم الطبقة الاوسع من المجتمع، وهي الطبقة الشعبية.

بطبيعة الحال مثل هذه الآراء لا تعني التوقف عن دعم الانشطة الابداعية الجمالية، بل بالفعل كانت ولا تزال هناك حاجة فعلية لمثل هذه الفعاليات الجمالية الجماعية، شريطة الاستفادة منها وعدم انتهاء تأثيرها مع لحظة انتهاء عقدها، فمثلا تم عقد ملتقى ثقافي في احدى العواصم العربية، وشارك فيه نخبة من المثقفين والمفكرين العرب، ولعل من أبرز التوصيات التي طرحها هذا التجمع الشروع بوضع خرائط ثقافية بالمنطقة العربية تكشف أماكن المكتبات العامة ودور النشر ومنافذ بيع الكتب والمسارح ودور السينما وحتى المترجمين واللغات التي يترجمون منها وإليها وعلى الرغم من أهمية هذا الاجراء لكنه لا يسهم في بلورة ثقافة تحث على احترام الذات، لذا تبقى الحاجة الى النموذج قائمة.

وهناك خطوة قد تب في الاتجاه الصحيح، ولكنها تبقى قاصرة عن تحقيق ما نصبو إليه، حيث أوصى المشاركون بتأسيس شركات لتسويق المنتج الثقافي حتى يتم التعامل معه بشكل أكثر احترافية وتعظيم الفائدة الاقتصادية منه مثلما يحدث في الغرب. وكذلك إعادة النظر في التشريعات الحاكمة للعمل الثقافي لتوفير مناخ أكثر تشجيعا على الإبداع وإقامة حوار دائم بين المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والمثقفين، ولكن مع أمية مثل هذه الوصايا تبقى بعيدة عن ملء الفراغ الذي يتسبب به غياب النموذج الثقافي القادر على صنع ثقافة تواجه الأخطار المحتملة من الثقافات الاخرى.

كيف نصنع نموذجنا الثقافي؟

لقد تنبّه احد الكتاب العرب وهو من الجزائر الى المشكلة التي تعاني منها الثقافة العربية، وهي كما ذكرنا في العنوان، افتقاد النموذج الثقافي، فمن أهم التأشيرات واكثرها جرأة ما ورد في كلمة الروائي الجزائري الأعرج واسيني حول غياب النموذج، حيث قال الأعرج (إن كل قارات العالم تقريبا بها نموذج يحتذى به في تجديد الخطاب وتطويره إلا أن الدول العربية تفتقد لمثل هذا النموذج).

وهذا القول لكاتب عربي مهم، يمثل في الحقيقة اعترفا من الطبقة المثقفة بعجزها عن خلق وتكوين النموذج الذي تحتاجه الثقافة العربية كي تكون فاعلة وقادرة على اخذ دورها الكامل في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية التي يواجهها العالم العربي بسبب حالة الضعف التي تحيط بمفاصل الثقافة العربية فكرا ومضمونا فضلا عن المثقفين والمفكرين أنفسهم.

هل هناك وصفة او خريطة خاصة بكيفية صناعة النموذج الثقافي؟، في الحقيقة يمكننا أن نجيب بالنفي والإيجاب في وقت واحد، وهذه ليست من الأحجية، وإنما نحن بصدد قضية هامة أهملها العرب منذ أمد بعيد، ليس في المجال الثقافي وحده، بل نحن نفتقد للنموذج في السياسة والتربية وعموم الأنشطة الإنسانية.

نقول نعم يمكن أن نسهم في صناعة النموذج الجمعي، هذه هي الإجابة بالإيجاب، ولكن في الوقت نفسه قد تبوء محاولتنا هذه بالفشل، وهذه هي الإجابة بالنفي او عدم القدرة على صناعة النموذج الثقافي، وفي مجمل الأحوال ليس على المثقفين الركون الى القنوط ا والى اعتماد النموذج الفاشل في الثقافة، نحن نحتاج الى ثقافة تعتد بنفسها وشخصيتها وتاريخها.

بداية من الجذور صعودا الى القمة، ولكن جميع المفكرين والعلماء والمثقفين والمعنيين بالثقافة تقع عليهم مسؤولية هامة في هذا الجانب، لهذا ينبغي أن يسهم الجميع في تحقيق هذا الهدف، وفق خريطة ثقافية يضعها خبراء الثقافة، ويقوم بتنفيذها المعنيون من ذوي الشأن، ولا يمكن التراجع ازاء هدف بهذا الحجم وهذه الأهمية البالغة.

أما الحاجة الى هذا النموذج، فمن الواضح أن الواقع العربي المزري، في السياسة والاجتماع والتعليم والاقتصاد، هو نتاج حتمي لغياب ذلك النموذج الثقافي والفكري الراسخ، فالثقافة وفق اتفاق جمعي هي البوابة التي تنطلق منها المجتمعات نحو السموّ، كما أن ضعفها او قصورها، سوف يتحول بالتدريج الى ضعف وقصور في جميع مفاصل حياة المجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1