أعلن الرئيس الفرنسي (فرانسوا هولاند) في فرنسا عن نية الحكومة الفرنسية إنشاء قوات جديدة في البلاد باسم الحرس الوطني الفرنسي، تتكون من عدد من الجنود من قوات الاحتياط ومن المتطوعين الجدد، مهمتها رفد قوات الشرطة الفرنسية في مكافحة الإرهاب الذي بدأ يضرب بكل قوة في فرنسا وفي عدة أماكن، راح ضحيته المئات من الفرنسيين، ويبدأ العمل بها في أيلول من هذا العام، وقد تكون هذه القوات تقليد لقوات حرس الثورة الفرنسية التي تم انتشاءها مع اندلاع الثورة الفرنسية 1789 وحتى 1872، وكان منفصلا عن الجيش وقام عناصره بدور مهم في الثورات التي شهدتها البلاد، وقد ذكرت بعض التقارير إن العدد الذي يراد تشكيله للحرس الوطني يقدر ب(28000) إلف عنصر، إذ سيتم استدعاء (1000) من جنود الاحتياط، مع (2500) متطوع تم تسجيلهم إلى إن يصل العدد إلى (28000) إلف.

وتتألف القوات المسلحة الفرنسية عموما من الجيش الفرنسي بصنوف البحرية، وسلاح الجو، والمشاة، وقوات الدرك، والشرطة، وأهدافه الأساسية الدفاع عن التراب الوطني الداخلي، وحماية المصالح الفرنسية في الخارج، والحفاظ على الاستقرار العالمي، يقدر عدد الجيش الفرنسي بـ(485000) ألف عنصر، كما تحتفظ فرنسا بعدد من القوات في خارج البلاد تقدر بـ(36000) ألف عنصر، لأغراض حفظ السلام الدولية أو في دول صديقة لفرنسا ولها مصالح فيها، أما قوات الشرطة فيقدر عددها من كافة الصنوف ب(145000) ألف عنصر، وقوات الدرك تقدر بـ(98000) عنصر.

إن تشكيل قوات إضافية في كل دولة ليس بالأمر السهل، خاصة في دول مثل فرنسا، إذ إن كل عنصر يجب ان يحظى بالاهتمام الكامل من تجهيز وتدريب وصرف مستحقات وغيرها، كذلك يجب إن يؤدي الغرض الذي انشأ من اجله، وليس إضافة عديد قوات فقط كما هو متعارف عليه في دول العالم النامي، لهذا فان مشروع فرنسا بإنشاء قوات حرس وطني له أسبابه التي دفعتها لهذا العمل، ومن هذه الأسباب هي:

1- توليد الشعور بالوطنية: إن الشعوب المستقرة والمتطورة إذا تعرضت للخطر يتم استنهاضها عن طريق استعادة بعض أمجاد الماضي، خاصة وان الخطر الذي يهدد فرنسا هو خطر داخلي وليس خارجي، خطر يهدد نسيجها الوطني، على اعتبار أنها تضم اكبر جالية مسلمة في أوربا يقدر عددها (5-6) مليون، علما بعض الإحصائيات تؤكد إن العدد أكثر من هذا لان عدد من المسلمين غير مسجلين في فرنسا، لهذا فان إنشاء قوات حرس وطني هو إعطاء دعم للروح المعنوية الفرنسية كما حدث إبان الثورة الفرنسية، لخلق روح وطنية تجمع كل المواطنين حولها.

2- حماية المواطنين: الغاية الأخرى هو حماية المواطنين الفرنسيين من خطر الإرهاب، وعدم انجرار البلاد للفوضى، لان استمرار العمليات الإرهابية بدوافع دينية قد تدفع اليمين المتطرف في فرنسا من القيام بأعمال مسلحة بحجة الدفاع عن المواطنين، لهذا فان التشكيل الجديد سوف يضم اغلب الذين لديهم رغبة في حماية البلاد، وان تكون العمليات ضد الإرهاب رسمية وبيد الدولة، منعا لأي عمليات انتقامية قد تثار في البلاد.

3- تخفيف العبء على أجهزة الأمن: على الرغم من إن فرنسا تمتلك العديد من القوات المسلحة، إلا إن هذه القوات لها مهام عديدة، فالقوات العسكرية (الجيش) مهمته حماية البلاد من الخطر الخارجي، وله مهام خارج البلاد، لهذا فان فرنسا ومن اجل تخفيف العبء على قوات الشرطة ذات الإمكانيات المحدودة اتجهت لإنشاء قوات حرس وطني، وهي قوات تحمل قوة الجيش من جهة وتعمل عمل قوات الشرطة من جهة أخرى.

4- تشكيل حرس وطني تقلل الاستعانة بالجيش عن القيام بأعمال الأمن المحلية والتي فيها مخاطر سوى على عمل الجيش أو الوضع الداخلي، وعلى الرغم من إن فرنسا قد استعانة بالجيش في حفظ الأمن خلال انفجارات باريس، إلا إن تدخل الجيش في الشؤون الداخلية غير مرغوب فيه من قبل العديد من القطاعات في فرنسا، كذلك انغماس الجيش في الشأن الداخلي قد يبعده عن الاهتمام بالخارج، كذلك سحب القوات الفرنسية في الخارج أو تقليص عددها سوف يعرض سمعة ومصالح فرنسا وهيبتها للخطر أيضا.

من المعلوم إن كل دول في العالم مهما كانت صغيرة أو كبيرة، عندما تتعرض لخطر إرهابي كبير تقوم بإجراءات احترازية استباقية لأي هجوم ثاني قد يطالها لاحقا، فقد تعرضت فرنسا لعدة هجمات إرهابية منها هجوم كانون الثاني 2015، بالهجوم على صحيفة (شارل ابيدو) التي راح ضحيتها 12 شخصا، ثم احتجاز رهان في سوبر ماركت في 8 كانون الثاني ومقتل ضابط شرطة، ثم هجمات باريس في شهر تشرين ثاني 2015، هي اعنف سلسلة من الهجمات الإرهابية شملت عمليات إطلاق نار جماعي وتفجيرات انتحارية واحتجاز رهائن حدثت في مساء يوم 13 تشرين الثاني 2015 في العاصمة الفرنسية باريس، تحديداً في الدائرة العاشرة والحادية عشرة في مسرح باتاكلان وشارع بيشا وشارع أليبار وشارع دي شارون. حيث كان هناك ثلاثة تفجيرات انتحارية في محيط ملعب فرنسا في ضاحية باريس الشمالية وتحديداً في سان دوني، بالإضافة لتفجير انتحاري آخر وسلسلة من عمليات القتل الجماعي بالرصاص في أربعة مواقع، ثم حادثة نيس في 14 تموز التي قتل فيها قرابة المائة شخص وجرح المئات آخرين، كذلك كقتل القس في كنيسة شمال فرنسا في 16 تموز.

ولعل السبب الأساسي الذي يكمن خلفه استهداف هذه الجماعات لفرنسا تحديدا، هو:

1- أنها تضم أكبر جالية مسلمة في أوروبا، فمن وجهة نظرهم المحدودة يعيش المسلمون في فرنسا حالة من الاضطهاد التي وجب الثأر لها، مما يجعلها هدفا مباشرا للعمليات الإرهابية التي طالت دولا أوروبية أخرى.

2- سياسة فرنسا المعتدلة في الشرق الأوسط، ومحاربتها لـ"داعش"، ودورها القوي في التحالف الدولي كانت ضمن الأسباب التي جعلتها القبلة المفضلة لدى الإرهابيين وعملياتهم، إذ يعد دعم فرنسا الواضح للحرب ضد الإرهاب أبرز الأسباب التي تدفع "داعش" نحو استهدافها تحديدا دون غيرها من الدول الأوروبية، خاصة بعد صفقات الأسلحة التي وقعت مؤخرا بين مصر وفرنسا، وحاملة الطائرات التي أرسلتها إلى سوريا للمشاركة في الحرب ضد التنظيم الذي تسلل الرعب لنفوس عناصره.

3- اقتران الهجمات الإرهابية على فرنسا بأزمة اللاجئين، حيث أثار عثور الشرطة الفرنسية على جواز سفر سوري قرب جثة أحد المهاجمين مخاوف من أن يكون بعض المشاركين في الهجمات قد دخلوا أوروبا متسللين في صفوف عشرات آلاف اللاجئين الفارين من الحرب في سوريا والعراق.

يرى المتتبع لأحداث في بلدان أوربا عامة وفرنسا خاصة يرى إن هذه البلدان ورغم ما تتمتع به من قدرات اقتصادية وقوة عسكرية، إلا انها تعاني من ضعف واضح في أجهزتها الأمنية في مجابهة العمليات الإرهابية، التي ضربت اغلب مدن أوربا وأكثرها أهمية، خاصة في العاصمة باريس وبروكسل، كما إن ردة الفعل على العمليات الإرهابية لم تكن بالمستوى المطلوب، إذ إن ردت فعل الشرطة في اغلب الأحيان تكون مرتبكة وتقود إلى ضحايا كثيرة، كما إن العمليات الاستخبارية وملاحقة المجرمين قبل تنفيذ العمليات ضعيفة أيضا، إن احد ابرز مخططي عمليات باريس وبروكسل 2015، (صلاح عبد السلام) كان متخفيا في احد أحياء بروكسل في حي مولنبيك، ولم تستطع إلقاء القبض عليه إلا بعد أربع أشهر من العملية في 18 آذار من عام 2016، وهذا إن دل على شيء يدل على ضعف في المنظومة الأمنية الأوربية عموما، فرغم الإجراءات الأمنية في فرنسا إلا إن العمليات الإرهابية لم تتوقف، بل هي متلاحقة من منطقة لأخرى، وهذا يدل على أمر واضح وجلي وهو ضعف في أجهزة الأمن الفرنسية وعدم تمكنها من استباق الحدث وإفشال المخططات الإرهابية، كما هو حاصل في بريطانيا مثلا التي لم تعاني كما تعاني منه باقي دول أوربا

إن استجابة الشرطة الفرنسية للهجمات في باريس وغيرها من المدن الفرنسية لم يكن بالمستوى المطلوب، فقد كانت الاستجابة للإرهاب ضعيفة، وضعف في التنسيق الأمني، فقد ذكرت تفاصيل التحقيقات التي أجرتها سلطات التحقيق في باريس، أن الإرهابي (صلاح عبد السلام)، المشارك في تنفيذ هجمات باريس، كان قادما عن الطريق الواصل بين بلجيكا وفرنسا بسيارة مستأجرة محملة بالأسلحة واستوقفته الشرطة وتركته يسلك طريقه، إضافة إلى تلقيها تهديدات بحدوث عمليات إرهابية في باريس، ولكن السلطات لم تتخذ الأمر على محمل الجد، فتم قتل دماء نحو 140 شخصا وإصابة المئات، وذكرت بعض المصادر إن الإرهابيين الذين نفذوا الهجمات في فرنسا وبلجيكا قد تنقلوا بين الدولتين وعملوا بحرية تامة دون عرقلة من الشرطة الفرنسية، يضاف إلى ذلك انه تم تقليص دوريات للشرطة الفرنسية في الإحياء لصالح الوحدات الخاصة والذي ساهم في تراجع أداء الشرطة المحلية.

ومن دلائل ضعف في أداء الشرطة الفرنسية وعدم كفاءتها، هو طلب السلطات الفرنسية من قوات الجيش معاونة الشرطة الفرنسية في مداهمات حي "سان دوني" الذي تحصن فيه بقية الإرهابيين، على الرغم أن الموقف لا يستدعى ذلك، فهي ليست حربا، فمن المفترض أن تكون الشرطة الفرنسية على قدر كافٍ من التدريب على الاشتباك المسلح والاقتحامات وتحرير الرهائن، وألا يكون للجيش الدخل في أقل العمليات الأمنية كما حدث في عمليات سان دوني، حيث كان هناك الكثير من فروع الشرطة مثل قوات النخبة والتدخل السريع، ومكافحة المتفجرات، والدفاع المدني وتم الدفع بتعزيزات أمنية جديدة قبل انتهاء العملية بساعات، إضافة إلى قوات الجيش التي تم استدعاؤها أيضاً.

من ناحيتها قالت صحيفة "الغارديان" البريطانية، إن المخابرات الفرنسية والبلجيكية كان لديها علم بالخلفيات المتطرفة لمنفذي هجمات باريس، وأشارت إلى أن نقص القدرة على معالجة المعلومات عن المشتبه بهم ربما يفسر جزئيا الفشل في التوصل إلى المخطط الإرهابي.

وتقول بعض التقارير إن هذا الضعف الواضح في جهاز الأمن الفرنسي راجع إلى عاملين هما: للتشريعات والقوانين التي تفرضها الدولة، ولضعف التدريبات، وعدم اختيار العنصر الكفء، فقد تبين في الأشهر الأخيرة تذمر شديد من رجال الشرطة وزيادة في حالات الانتحار بينهم بسبب الحالة المعنوية السيئة التي يمرون بها، إثر الاعتداءات التي يتعرضون لها وقتل عدد من زملائهم.

ففي حادثة باريس وخلال اعتقال الرهائن في قاعة الحفلات في (باتاكلان) والتي قتل فيها 90 شخصا من أصل 130، قتل ضابط الشرطة المتواجد في المكان احد الإرهابيين الثلاثة، الذين يرتدون أحزمة ناسفة، إلا إن الأوامر له بالانسحاب لصالح جهاز مكافحة الإرهاب الذي وصل بعد نصف ساعة إي بعد إن انتهت العملية بتفجير الانتحاريين الاثنين نفسيهما وسط الناس في القاعة ومقتل معظم الرهائن، إن تأخير الاستجابة يشير إلى ضعف في هيكلية الشرطة الفرنسية، والتي تخضع بدرجة عالية من المركزية، إذ كان من الممكن تجنب سقوط إعداد كبيرة من الضحايا في هجمات باريس لو إن الشرطة الفرنسية أخذت زمام المبادرة الفردية، وقللت من حالة الارتباك.

إضافة إلى إن عملية إيصال المعلومات واستلامها من الجميع تستغرق وقتا طويلا، وان تعبئة القوات المتخصصة تأخذ وقت وتأخير، بسبب مركزية القرار، فقد نقلت بعض التقارير من إن بعض أفراد الشرطة قد احتجوا بسبب ضعف التجهيزات والإمكانيات المتوفرة لهم، وذكر احد أفراد الشرطة إن في قاطع مسؤوليته هناك ثلاث سيارات يستخدمها أربعين شرطيا في دورياتهم بالتناوب، وان عدد السيارات لا يتناسب مع عدد الشرطة أو حجم المسؤولية.

خلاصة القول يؤكد الخبراء الفرنسيون إن استجابة الشرطة للعمليات الإرهابية قد أثار عدد من التساؤلات، وان النظام الأمني يحتاج إلى تغيير في مفاصله من حيث الهيكلية وعدد القوات، لأن هروب بعض الإرهابيين في حادثة باريس ومن أمام قوات الشرطة الفرنسية هو ضعف للأجهزة الأمنية، حيث تنتظر الشرطة في عملها الأوامر من الجهات المختصة قبل المبادرة، هو ما يعطي الإرهابيين حرية الحركة، لهذا كان من المفترض إن تغير الحكومة من خططها الأمنية لعلها تستطيع إيقاف الإرهاب من خلال قوات الحرس الوطني.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0