"إذا حدث في أي وقت اثناء الخداع الذي تمارسه، ان خامر الناس أدني شك في ماهية نواياك، فقد ضاع كل شيء، لا تُعطهم فرصة تحسس ما الذي تهدف اليه، ابعدهم عن الهدف بوضع أشياء تظليليه في طريقهم كي يتلهوا بها عن الشيء الحقيقي. استخدم الإخلاص المزيف والاشارات الغامضة. وضع أهدافا مظللة لرغباتك. فعندما يعجز الناس عن تمييز الأصيل من الزائف، فانهم لن يقدروا على معرفة هدفك". (غرين روبيرت، كيف تمسك بزمام القوة، ص36).

لا يخامرنا الشك بمدى التظليل الذي تمارسه الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، وبأساليب قد يعجز عنها الكثير من ساسة العالم، لأسباب تتعلق بطبيعة فهمهم للحكم باعتباره غنيمة خاصة بالحزب او الشخص وبالتالي يمكن اللجوء الى النظرية الميكافيلة "الغاية تبرر الوسيلة". كما يرتبط حجم هذا التظليل بانتشار الثقافة السطحية، وشيوع الكسل السياسي لدى شرائح واسعة من المجتمع، وما يسمى بشريحة المثقفين ليست استثناء.

في العراق حيث الصراع الدائم على المكاسب والذي لا علاقة له بذلك المنشود على الالسنة ليلا ونهارا؛ لا مكان لمن لا يتقنون فن الخداع والتظليل السياسي، والأساليب التي يستخدمها بعض نجوم السياسية في العراق يمكن ان تصبح نموذجا يحتذى به في الدول الأخرى، ومع تراكم الازمات ونقمة الشعب مما يجري خلف جدران التصريحان وكواليس الوثائق السرية والعلنية، يرفع السياسيون من امكاناتهم التضليلية، فالمطالب الشعبية مشروعة اذا كانت تلبي حاجة الحزب او النجم السياسي لحصد المزيد من الأصوات، وما عدا ذلك فهو محرم ويضر بالمصالح العليا للدولة.

الأحاديث السياسية في العراق تحولت الى مادة ترفيهية أكثر منها الى الجدية، فعلى سبيل المثال "عندما يتحدث وزير الكهرباء عن إمكانية تحسن الطاقة الكهربائية يضحك الناس كثيرا ظنا منهم بانه يتحدث عن كائنات فضائية". وفي المقابل قد بشعر المواطن انه يستهزئ ويسخر من المسؤول الحكومي الا ان ذلك يضفي مزيدا من الفرح والنشوة على هذا المسؤول كونه نجح بتمرير ما مبتغاه على الشعب وأصبح نجما على شاشات التلفاز ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي.

جلسة مجلس النواب التي كانت مخصصة لاستجواب وزير الدفاع خالد العبيدي، تحولت الى مسرح عميات وتقاذف بالاتهامات وحتى السباب، وتناثرت على أثرها الملفات بين وزير ونائب ومسؤول رفيع، لتنتهي الجلسة، بفوز وزير الدفاع بلقب بطل الاتهامات ومعه بعض النواب الذين سارعوا الى كشف قدراتهم البطولية في هكذا جلسات قد تحدد ملامح الفوز النهائي في الانتخابات المقبلة، فمن خلالها يمكن حصد المزيد من التعاطف الجماهيري الطامح الى "بطل"، مفقود تحت رماد الفوضى.

استنادا الى التجارب السابقة المشابهة لحادثة استجواب وزير الدفاع يمكن القول بان الأطراف التي شاركت ولا زالت تطلق الاتهامات حول ما حدث في مجلس النواب، بانه نوع من التظليل السياسي للتغطية على أمور اكبر واستثمار لحالة الترقب الجماهيري والمتابعة المستمرة لتحويل الانتباه عن قضايا ومشاكل اعمق، فهل نسينا مثلا ذلك المسؤول الكبير الذي وقف في مجلس النواب وهدد زميلة من الكتلة المعارضة في ذلك الوقت بانه سيكشف أوراق فساده وقد تصل عقوبته للإعدام لخطورة تلك الملفات، وبدون مقدمات اصبح هذين العدوين البرلمانيين من اكثر الأصدقاء حميمية، وقد ذابت تلك الملفات في اناء التحالفات الساخن.

فالوقائع تشير الى ان الجميع قد استفاد مما حصل في مجلس النواب الا الشعب العراقي يمثل دور المشجعين في مسرحية من الاتهامات مفتوحة النهايات، وما كان يكشفه هؤلاء المسؤولون هو مجرد مشاغلة للشعب من اجل تثبيت اقدامهم في مؤسسات الدولة وخدمة غاياتهم الحزبية والشخصية باي وسيلة كانت والتهديد بملفات الفساد تمثل أقصر الطرق للدخول في موسوعة الأرقام القياسية لعدد مرات الظهور على السنة الناس.

فالمشاغلة السياسية او الالهاء السياسي الذي يستخدمه الساسة بحسب الدكتور كلود يونان في كتابه طرق التضليل السياسي: تعني الهاء المضلًّلين (بفتح اللام) بأمور ثانوية لمنعهم من الخوض في الأمور السياسية الرئيسة المؤثرة في العملية السياسية، هكذا تسمى المشاغلة السياسية طريقة تضليلية لتشتيت انتباه المضلًّل (بفتح اللام) وبعثرة تركيزه، وتؤدي الى توزيع إمكاناته الفكرية والمادية، والى توجيه إمكاناته وقدراته وقواه نحو اهداف عقيمة غير مجدية، بحيث يستحيل عليه التدخل بقوة وبتاثير.

وبالعودة الى جلسة استجواب وزير الدفاع، فقد فسر بعض المتابعين ما قام به العبيدي بانه استخدم أسلوب المشاغلة التفريقية من خلال ضربه لمجلس النواب بعضهم ببعض وكيل الاتهامات إليهم واستخدامه أسلوب فرق تسد وقد نجح بذلك، الا ان الكتل السياسية سارعت الى معالجة الوضع وإعادة ترتيب الأوراق والحديث يدور الان عن تنازلات ومكاسب لبعض السياسيين. وبسبب تشعب القضية وتداخلها دخلت كتل سياسية أخرى على الخط لتستخدم القضية وفق أسلوب المشاغلة التحويلية والتي تعني في المفهوم السياسي الذي يعرفه الدكتور كلود يونان: بانها فعل او ممارسة خطابات سياسية، ملفوظة او مكتوبة او مسلوكة تهدف الى تحويل جهد المضلًّل (بفتح اللام) الموجه الى هدفه الرئيس الى هدف آخر من اجل مشاغلته عن تحقيق هدفه، او حمله على تخفيف الجهد المركز الذي يكون ضغطا مؤثرا وفاعلا في الجهة المضلّلة (بكسر اللام).

والواضح ان الطبقة السياسية الحاكمة في العراق تشعر بحجم الضغط الذي تمارسه الجماهير العراقية من اجل عمل الإصلاحات وتحسين الواقع المعيشي والأمني للمواطن، فوجدت في هذه القضية نقطة استراحة لتخفيف حجم الضغط عليها بانتظار الجولات القادمة، مع التسليم بان صد الضربة الأولى يمهد الطريق لصد الضربات اللاحقة التي يوجهها الشعب للساسة بحكم الملل الذي أصاب شرائح اجتماعية كثير وهذا ما تعول عليه الطبقة الحاكمة لصرف الأنظار عن القضايا المركزية، وما يثير الشكوك اكثر هو تزامن هذه القضية مع ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستوى التجهيز بالكهرباء والذي كان سببا في السنوات السابقة لتظاهرات شعبية مطالبة بتوفير الكهرباء، بالإضافة الى ذلك فان اثارة هذه القضية جاءت مع تزايد الغضب الشعبي مما اثير عن تخفيض مخصصات رواتب بعض الموظفين وفرض ضرائب جديدة وفي المقابل رفع مخصصات مجلس النواب، فهل كانت النيات صادقة داخل قبة البرلمان ام محاولة لتضليل الشعب وتحويل الانتباه عن ملفات اكبر؟.

الاستجواب وتبعات التي لا تزال تسري كالهشيم في النار أسهمت في عودة حمى التصريحات النارية المثيرة للسخرية والاشمئزاز معاً، فالنائب الذي يفترض ان يتحدث عن قضايا تخص المواطن وحقوقه نجده يتحدث عن صراعات عائلية بين النواب لاثبات نفسه كشخص قادر على تكميم افواه الاخرين بلسانه السليط، وقد حدثت تلك المهاترات حول أمور عائلية في اكثر من مناسبة وخاصة في البرامج الحوارية الساخنة التي تناولت قضية الاستجواب وتبعاته، وهو ما يسمى وفق مفاهيم التضليل السياسي بالمشاغلة النفسية المؤدية الى المشاغلة العقلية وذلك من اجل اخضاع الطرف الاخر فتجعل حالته النفسية عرضة للايذاء، ويصبح عقله عاجزا عن سلوك المنهجية المنطقية في التفكير، بحيث يضطر الخصم للدفاع عن سيرته الذاتية، فيتحول التركيز عن موضوع القضية الى التركيز على عملية الدفاع عن النفس، وبذلك يظهر المشاغل بمظهر المنتصر ويحقق ربحا سياسيا.

الحديث عن التضليل السياسي أطول من خيط الامل الذي يخطه مواطن عراقي يشعر بالغبن والظلم من طبقة سياسية تسرقه امام عينه، لكنه لا يستطيع ان يبوح بكلمة واحدة فالحزب الذي يمارس التضليل قد غلف تفكير شرائح كبيرة بتفكير سطحي يسهل عليه تضليلهم وإظهار نفسه بصفة الحريص على مصالحهم ليجعوا منه خطا احمر لا يمكن التقرب منه، وفي وضع كهذا لا يحق لمن يفهمون الأساليب الملتوية ان يمارسوا حقهم في تقويم ما الاعوجاج السياسي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0