تحت شعار (عودة بريطانيا الى البريطانيين) تم اتخاذ قرار انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي. وذلك في استفتاء شعبي ناجح ربما يدشن الية فعالة في فك التشابكات الدولية والمحلية المعقدة.

وقد بدأت مقدمات هذا الانسحاب بالتفاعل في المجتمع البريطاني منذ اللحظة التي نعهد بها رئيس الوزراء البريطاني السيد كاميرون بخطوة غير محسوبة بصدد اجراء استفتاء حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الاوربي من عدمه في حال فوز حزب المحافظين بالحكم في انتخابات 2015. وقد جاء هذا التعهد بالتوازي مع تصاعد نهج سياسي تبناه مجموعة مؤثرة داخل حزب المحافظين محفزا على الانفصال عن الاتحاد الاوربي.

كما بدأت مقدمات هذا القرار منذ لحظة دخول بريطانيا الى الاتحاد الاوربي بحكم ان هذا الانضمام اتسم بالتردد وعدم القناعة التامة لدرجة وصفت بها بالعضو الصعب والذي يكثر من الاشتراطات والاستثناءات. ويبدو ان هذا الانضمام البريطاني المتردد حمل معه بذور الخروج منه. ولم تدخل الى الاتحاد الا بحصولها على عدد من الامتيازات منها:

1 – موافقة الاتحاد الاوربي على ان لا يكون اليورو العملة الوحيدة لدول الاتحاد. اذ يحق لها استخدام عملتها الوطنية اضافة الى اليورو.

2 – عدم الزام بريطانيا باندماج سياسي اوربي ابعد من مما يبيحه الوضع القائم.

3 – تقييد حصول المهاجرين الى دول الاتحاد على اعانات اجتماعية خلال السنوات الاربع الاولى من اقامتهم.

4 – منح البرلمانات الوطنية الحق في الاعتراض على اي تشريع صادر من المفوضية الاوربية في بروكسل.

وعموما، اثار هذا القرار جدلا سياسيا واسعا حول علته ومسوغاته الفكرية والسياسية وتبعاته الدولية رغم انه لا يخلومن المسوغات الاقتصادية. ولعل اهم اسبابه تكمن في النزعة القومية البريطانية التي بدأت تتأثر بسياسات الهجرة التي يتبعها الاتحاد الاوربي. ويبدوان فلسفة الموازنة التي اتبعها الاتحاد الاوربي ما بين الحفاظ على الهويات القومية لأعضائه من جهة، والحفاظ على اطار عام مشترك من جهة اخرى لم تكبح النزعة القومية البريطانية التي لعبت دورا اساسيا في اتخاذ هذا القرار. وذلك من اجل ايقاف ظاهرة هجرة الاجانب الى بريطانيا التي اخذت تؤثر سلبا على تلك النزعة القومية المحافظة للمجتمع البريطاني، والتي ترتكز على موروث امبراطوري لا يميل للانصهار بقدر ما يميل للهيمنة والقيادة.

ولا يمكن ايقاف تلك الهجرة ما دامت قوانين الهجرة في الاتحاد الاوربي فضلا عن التشريعات الاقتصادية الخاصة بالمهاجرين الاجانب نافذة المفعول في بريطانيا. اذ يلاحظ ان نسبة المواليد الاجانب في بريطانيا قد ازدادت من 3.8 مليون مولود الى 8,3 مليون مولود. وان قانون الاتحاد يتطلب ان تفتح بريطانيا حدودها للمهاجرين من البلدان الاوربية. وكل ذلك شكل تهديدا جديا للنزعة القومية البريطانية.

أضف الى ذلك، يلاحظ ان نظرية الجدوى الاقتصادية التي اعتمدها الاتحاد الاوربي منذ تأسيسه في مقابل تنازل الدول الاعضاء عن جزء من سيادتها لم تخفف من نمو النزعة القومية البريطانية.

الاستفتاء البريطاني والنظام الدولي:

يبدوان الحدث البريطاني قد تجاوز ابعاده المحلية والاقليمية ليشكل مدخلا جوهريا في رسم معالم النظام الدولي الجديد لينبئ بسيناريو جديد في تحالفات النفوذ الدولي. وذلك وفقا للمؤشرات ادناه:

1 – ان هذا الانسحاب قد عزز من القطبية الاحادية للنظام الدولي الجديد لأنه هدم اهم اركان القوى الدولية المنافسة التي مثلها الاتحاد الاوربي. وربما يشكل بداية انفراط عقد الاتحاد الاوربي وعودة القارة الاوربية الى عهد ما قبل الحرب العالمية الثانية، خصوصا اذا صعدت الاحزاب اليمينية المتطرفة.

2 – مع ذلك، ربما يترتب على هذا القرار اعادة ترتيب القوى الكبرى ومديات تأثيرها في السياسات الدولية. اذ ربما يتم تفعيل الدور الالماني الذي يحظى بفرصة الحصول على مقعد دائم في مجلس الامن في ضوء الانسحاب البريطاني. كما ان هناك فرصة الى تقوية التحالف السياسي الصيني–الروسي.

3 – يذهب البعض الى ترجيح احتمال تفكك المملكة البريطانية المتحدة التي تضم انجلترا واسكتلندا وويلز وايرلندا الشمالية على خلفية خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي. ان هذا الاحتمال سيؤدي الى تراجع الدور البريطاني في السياسات الدولية. وقد بدأت تداعيات التفكك في اعقاب الاستفتاء مباشرة. اذ تميل الاغلبية من سكان اسكتلندا الى البقاء في الاتحاد الاوربي وهوما صرحت به رئيسة الوزراء بقولها ان اسكتلندا ترى مستقبلها ضمن الاتحاد الاوربي. وفي ايرلندا الشمالية دعا حزب (الشين فين) المؤيد للبقاء في الاتحاد الاوربي الى تنظيم استفتاء حول (ايرلندا الموحدة).

4 – وربما سيكون القرار البريطاني أكثر من مجرد انسحاب دولة لأنه قد يكون مجرد البداية في سلسلة استفتاءات في بلدان اوربية اخرى للخروج من الاتحاد الاوربي. فالتيار اليميني المناوئ للمهاجرين في فرنسا والمانيا والسويد وهولندا يدفع بقوة في اتجاه مشابه لبريطانيا. خصوصا ازاء تشابه الظروف في تلك البلدان. فضلا عن تشابه الاطروحات السياسية المناوئة للمهاجرين الاجانب.

5 – مع ذلك ستبقى علاقة بريطانيا بالاتحاد الاوربي علاقة ودية. وربما تنظم العلاقات بينهما وفق نموذج المنطقة الاقتصادية على غرار النرويج، او وفق الاتفاقات الثنائية على غرار سويسرا، او احتمال التوصل الى نموذج مخصوص لبريطانيا.

6 – ان هذه الخطوة البريطانية الملفتة للنظر ربما تنعكس على عدد من الدول العربية بما فيها العراق ودول الخليج وفلسطين. اذ يرجح البعض ان تلك الخطوة ستفعل عملية اجراء الاستفتاء في اقليم كردستان العراق بينما يذهب اخرون بالاتجاه المعاكس على اساس انه لا توجد ثمة ربط ما بين الحالة البريطانية والحالة العراقية. صحيح ان الحالة العراقية مختلفة عن الحالة البريطانية ومواضيع الاستفتاء متباينة لكن ما يمكن التأثر به من خلال الاستفتاء البريطاني يكمن في اعتماد الية الاستفتاء كوسيلة لفك الارتباط بين مكونات اجتماعية غير متجانسة مثلما تأثر العالم بمبادئ الرئيس الامريكي ولسن عام 1918 وخصوصا مبدأ حق تقرير المصير الذي انشأت بموجبه الكثير من البلدان التي كانت واقعة تحت الاحتلال الاجنبي. باحتساب ان العالم اصبح قرية صغيرة بعد ثورة الاتصالات والعولمة بحيث ان ما يحدث في بقعة محددة من الارض لابد ان يترك اثره في بقاع الارض الاخرى.

عليه، يرجح ان الاستفتاء البريطاني سيفعل ويعجل في اجراء الاستفتاء في اقليم كردستان وربما خارجه، خصوصا اذا تفككت بريطانيا او تعرض الاتحاد الاوربي الى المزيد من حالة التفكك.

اذ لا يخفى على احد، وجود مؤشرات سلبية في الشأن العراقي ربما ستفضي الى اعتماد الية الاستفتاء كمخرج لمشاكل مكونات العراق الاجتماعية والعقائدية منها:

1 – ان مكونات العراق الاجتماعية تتجه بشكل حثيث نحو التباعد نتيجة لسياسات خاطئة واليات حكم عقيمة ولحسابات اقتصادية وامنية.

2 – في الوقت نفسه لا تزال القوى السياسية الفاعلة محكومة بعقلية ثأرية تعزز التنافر، وتستبعد التلاحم. وتعمل وفق اليات حكم عقيمة لا يمكن ان تنتج نجاحا. لذلك فأنها لا يمكن ان تستحضر نموذج جنوب افريقيا في المصالحة الوطنية. ولا يمكن ان تستحضر نموذج كولومبيا التي اسست لمشروع مصالحة وطنية وضعت حدا لتاريخ من الصراع الدموي استمر اكثر من 50 سنة.

3 – هناك وضع دولي سيكون ميالا نحو اعتماد الية الاستفتاء كوسيلة لفك الارتباط بين الدول والمكونات الاجتماعية المتصارعة خصوصا بعد الاستفتاء البريطاني.

4 – ومما يعزز من هذا الاتجاه الدولي انه اعتمد على توحيد البلدان التي جزأت في الحقبة البريطانية (المانيا الموحدة نموذجا). وتفكيك البلدان التي توحدت في الحقبة البريطانية (السودان نموذجا). ولا يخفى على احد ان الدولة العراقية الموحدة التي اسست عام 1921 كانت اهم انجازات الحقبة البريطانية في ظل النظام الثنائي القطبية. لذلك ستكون اكثر دولة مستهدفة في النظام الدولي احادي القطبية ما بعد الاستفتاء البريطاني.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد وباحث مشارك في ملتقى النبأ للحوار

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0