اظهر المشهد السياسي والامني في اليمن مؤخرا، مؤشرات جديدة لإعادة هيكلية النظام السياسي والقوى المهيمنة في هذا البلد الغارق بالفوضى، كي تلبي تلك الهيكلية السياسية الجديدة مصالح قوى محلية ودول إقليمية ودول كبرى لها مصالح حيوية في المنطقة برمتها.

فقد كشف تصاعد أعمال العنف مع هيمنة الحوثيين عن انقسامات داخلية وخلافات عميقة الجذور أدت الى هشاشة الدولة سياسيا وامنيا واقتصاديا، وبموازاة احتدام التوتر السياسي ذو الوجه الطائفي في المنطقة عموما، فما زال يكتنف هذا البلد العربي مشهد العنف والفوضى المتكرر في الدولة المنقسمة، لذا يرى الكثير من المحللين أن الفوضى العارمة والقتال المستعر وزيادة حدة التوتر والصراع بين الاطراف المتخاصمة الحكومية وغير الحكومية، فضلا عن التأجيج المذهبي في اليمن، جميعها هذه الامور هزت اركان الدولة على الاصعدة كافة، وقد زاد هذه الامور من تأزم الأوضاع ورفع من حالة الاحتقان السياسي، لتقدم صورة سياسية امنية لانعدام الثقة بين المكونات السياسية ولتشكل أساس الأزمة في اليمن الجديدة.

هواجس دول الخليج وشوكة الدعم الايراني

في سياق متصل أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي، دعمها "القوي" للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، أمام "الانقلاب على الشرعية"، الذي نفذه الحوثيون، إثر اقتحامهم قصر الرئاسة في صنعاء والسيطرة عليه. بحسب ما ورد في فرانس برس.

وأصبح الحوثيون - الذين تربطهم صلات ودية بإيران - القوة المهيمنة في البلاد لكنهم قرروا في الوقت الراهن على الأقل فيما يبدو عدم الإطاحة بهادي وربما فضلوا الإبقاء على الرئيس الضعيف تحت رحمتهم بدلا من تحمل أعباء الاستيلاء على السلطة. بحسب رويترز.

وأدت الهزيمة التي ألحقوها بحرس الرئاسة في معارك بالأسلحة والمدفعية في الايام الاخيرة إلى تزايد الفوضى في بلد تنفذ فيه الولايات المتحدة ضربات بطائرات بدون طيار ضد واحد من أقوى أجنحة تنظيم القاعدة. على صعيد ذو صلة يقول مسؤولون يمنيون وإيرانيون ان إيران زودت الحوثيين الذين سيطروا على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر أيلول بأسلحة ومال وتدريب في الوقت الذي تصعد فيه طهران صراعها الإقليمي على النفوذ مع المملكة العربية السعودية.

ولم يتضح على وجه التحديد حجم الدعم الذي قدمته إيران للحوثيين. وتتهم دول خليجية إيران بالتدخل في شؤونها الداخلية عبر وكلاء في المنطقة وهي تهمة تنفيها طهران، لكن رويترز لديها تفاصيل -من مصادر يمنية وغربية وإيرانية- بدعم عسكري ومالي إيراني للحوثيين قبل وبعد السيطرة على صنعاء في 21 سبتمبر أيلول، وعلقت الرياض المساعدات لليمن لغضبها من تزايد نفوذ الحوثيين في حين رحبت إيران علنا بانتصار الحوثيين.

ويرى أغلب المحللين ان مخاوف السعودية ترجع الى أن تكون خصمها ايران يزيد من نفذوه في بعد هيمنة الحوثيين على صنعاء مؤخرا، وراقبت السلطات السعودية التي تشهد اضطرابات لاسيما بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز باستياء سطوة الحوثيين وتغيير ميزان الهيمة لصالح ايران.

هادي بين حرية الاستقالة وقبضة الحوثيين

من جانب آخر عقد الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي اجتماعا في منزله مع مستشاريه وبينهم ممثل عن الحوثيين الذين سيطروا الثلاثاء على دار الرئاسة، حسب ما افاد مصدر رئاسي وكالة فرانس برس.

واتى ذلك وسط تنديدات دولية بالتصعيد الميداني في اليمن، في حين اعلنت السلطات الامنية في جنوب اليمن اغلاق مطار وميناء عدن تضامنا مع هادي وتنديدا بما قالت انه "هجوم على الشرعية"، وقال المصدر الرئاسي ان هادي التقى مستشاريه في منزله في شارع الستين بغرب صنعاء، وبينهم ممثل الحوثيين صالح الصماد، كما التقى عددا من شيوخ القبائل.

ويبدو هادي بذلك ممارسا لمهامه بالرغم من التواجد المسلح للحوثيين في محيط منزله، وبعد سيطرة هؤلاء على دار الرئاسة، وهو المقر الرسمي لرئاسة الجمهورية ولكنه ليس مكان اقامة الرئيس. حسبما ذكرته الوكالات الاخبارية.

والصماد هو احد مستشاري صالح بموجب الاتفاق الذي تم التوصل اليه في 21 ايلول/سبتمبر بين مختلف القوى اليمنية وذلك في اليوم نفسه الذي سيطر فيه الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء، ومن المتوقع ان يعقد هادي في وقت لاحق لقاء موسعا مع الاحزاب السياسية، وهو اجتماع قد يتم بحضور المبعوث الاممي جمال بن عمر، الا ان مصدرا من محيط الاخير لم يؤكد ذلك.

سيطر الحوثيون الذين يسعون الى تعزيز قبضتهم على العاصمة اليمنية، على مبان حكومية في صنعاء، بحسب ما اورد شهود، واحتل مسلحو جماعة "انصار الله" مقر شركة النفط والغاز الوطنية (سافر) ومنعوا العاملين فيها من الدخول، بحسب مصادر من الشركة المملوكة للدولة، وعين الحوثيون مديرا جديدا لشركة سافر، بحسب المصادر ذاتها. وهذه الشركة هي اكبر الشركات اليمنية في مجال الغاز وثانيها في مجال النفط. حسب وكالة فرانس برس.

من جهته ندد مجلس الامن الدولي في اعلان بالاجماع بهجمات الحوثيين معبرا عن دعمه للرئيس اليمني "الشرعي" عبد ربه منصور هادي الحليف الكبير للولايات المتحدة في مكافحة القاعدة، لكن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي كان اكد في مقابلة متلفزة ان "جميع الخيارات مفتوحة" بالنسبة لهادي. واكد ايضا ان تنظيم انصار الله مستعد لمواجهة "اي اجراء" لمجلس الامن.

عبد الملك الحوثي قائد شاب يذكر بحسن نصر الله

على صعيد آخر يذكر القائد الشاب لحركة انصار الله الزيدية المسلحة في اليمن عبد الملك الحوثي بزعيم حزب الله اللبناني، من حيث الطريقة في التعبير او في مضمون الخطاب الذي يركز على محاربة الفساد والمطالبة بالشراكة الوطنية والعداء للغرب واسرائيل.

ويتخذ الحوثيون حاليا بشكل رسمي اسم "انصار الله" الا ان الكيان السياسي الاول الذي اسسوه كان حركة الشباب المؤمن الذي ظهر عام 1992 كتجمع سياسي مندد ب"التهميش" الذي يعاني منه سكان شمال غرب اليمن، معقل الزيديين الذي يشكلون نسبة ثلث السكان في اليمن تقريبا. بحسب فرانس برس.

وشيئا فشيئا، طرد الحوثيون اعداءهم السلفيين من صعدة، ثم الحقوا عام 2014 هزيمة مهينة بآل الاحمر، الزعماء التاريخيين لقبائل حاشد البالغة النفوذ في معاقلهم التاريخية في محافظة عمران شمال صنعاء قبل ان يسيطروا في 21 ايلول/سبتمبر على صنعاء.

لكن التقدم المثير للحوثيين وزعيمهم لم يكن ممكنا بحسب كثيرين لولا التحالف مع الرجل القوي خلف الكواليس، الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي ما زال يتمتع بنفوذ في المؤسسات العسكرية والامنية والذي وصف حكم اليمن يوما بانه اشبه بـ "الرقص فوق رؤوس الثعابين"، خصوصا وان مؤيدي الحاكم السابق يحاولون إفساد العملية السياسية بدعم من بعض الجهات الإقليمية والخارجية، إذ يشكلون ابرز المعوقات التي تغذي الصراع السياسي بفضل سيطرتهم على الجيش وقطاع الأعمال والاقتصاد، لكن الحكم الجديد يسعى لإعادة النظام إلى اليمن من خلال إعادة هيكلة الجيش وتقليص سلطات حلفاء الرئيس السابق، إذ على الرغم من التطورات الايجابية التي حققتها الحكومة الجديدة على صعيد الحياة السياسية، مازالت التهديدات الأمنية والصراعات السياسية والكوارث الإنسانية تلوح في الأفق، مما أتاح أرضا خصبة لانتكاسات جديدة على المستويات كافة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0