خرجت بريطانيا من الاتحاد الاوربي وكانها ازالت الغطاء عن قدر من المشاكل التي لم يكن يعرف عنها الكثير او كانت مخفية عن الكثير لاسباب تتعلق بفرض الهيمنة وتسويق الصورة الايجابية للاتحاد الاوربي والنظام العالمي "العولمة" بصورة عامة، وسائل الاعلام وجدت ما يسد القليل من تعطشها للازمات والمشاكل وراحت تتسابق حول التحليلات ايجاباً وسلباً حول الطلاق الاوربي الذي يفهم من سياقه انه طلاق ابدي لحقبة تاريخية عالمية وتاسيس لمرحلة جديدة قد يميل فيها الثقل العالمي الى الشرق.

ركزت اغلب الكتابات الصحفية والتحليلات على السلبيات والايجابيات بالنسبة لبريطانيا او الاتحاد الاوربي وقد تفوقت التقارير ذات النظرة السلبية لخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي وابرزها الخسائر الاقتصادية للجانبين فضلا عن تاثيراتها على الاسواق العالمية، مستندين الى ارقام اقتصادية بتراجع الجنية الاسترليني الى ادنى مستوى له منذ اكثر من ثلاثين عاما فضلا، اما الخسائر السياسية فعناوين الصحف كانت تعبر عنها من خلال صعود اليمين المتطرف ودعواته في اغلب الدول الاوربية الى تنظيم استفتاءات مماثلة بل وتحولت العدوى الى داخل بريطانيا وخاصة اسكتلندا التي دعت على لسان رئيسة وزرائها الى تنظيم استفتاء ثان للخروج من الاتحاد البريطاني.

تغيرت الاحوال كثيرا وما كان يروج له عن الجنان الاوربية بات في خبر كان، والتسابق المحموم في التفتيش عن اي خرق او ثغرة ليس في الاتحاد الاوربي فقط بل في النظام الاجتماعي والسياسي لاوربا، والبعض يتوقع ان تعود صراعات الحروب العالمية ولو بصورة مختلفة لكنها لم تموت حتى الان واستفتاء بريطانيا قد يحي هذه الصراعات. ولسنا هنا بصدد نبش التاريخ الاوربي ولا نريد تسليط الضوء على السلبيات بقدر ما نريد سرد الموضوع ليكون في سياقه الطبيعي.

الاستفتاء البريطاني يمثل فشلا للمشروع الاوربي الطموح، وهو اشارة للجميع بان محاولة تاجيل الحلول قد يعجل بالفشل، وما اكثر مشاكل بلادنا التي تم تاجيل حلولها، وهي تمثل بركاناً يهدد البلاد، ويجعل من الخوف يرتقي الى المراتب الاولى في الاحاديث الشعبية والرسمية، والقول الماثور يقول ان الاذكياء يتعلمون من اخطائهم لكن الاذكى منهم من يتعلمون من اخطاء غيرهم وليتنا نتعلم من الدرس البريطاني.

الفوضى التي تعم اوروبا لا بد ان تعطينا درسا قد يكون مفيدا لبناء وطن يطمح البعض ان يكون وفق المقاسات الاوربية التي يروج لها بانها تحمل قيم الحرية الفردية المطلقة، كما يطمح اخرون لبناء ذلك الطون المنشود وفق اسس وقواعد تناسب طبيعة المجتمع على اعتبار ان لكل مجتمع خصوصية عن الاخر وان تلك الميزة هي التي اوصلت الانسانية الى هذه المرحلة من النمو والتطور. والقرآن الكريم قد اشار الى هذه الجزئية حين قال تعالى في كتابه العزيز: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". (الحجرات اية 13) ومن ضمن ما تشير له الاية الكريمة هو اختلاف الناس والمجتمعات عن بعضها البعض.

بالنسبة للعراق والبلدان التي تعصف بها الازمات منذ سنوات والفقر والجهل و"التجهيل" هي الصورة التي تُعْرَفُ من خلالها، لكن مثلما كشف لنا الاستفتاء البريطاني عن حجم الفشل في الاتحاد الاوربي واظهر الوجه الاخر للصورة الاوربية؛ نقول ان هناك صورة غير مرئية عن مجتمعنا، فوسائل الاعلام هي اكبر صانع للمحتوى المرئي في العالم، وكامرات التوثيق هي افضل مثال للمؤرخ الاعور، واحتوائها على عدسة واحدة قد يفسر نظرية الانحياز الاعلامي.

وبما ان تلك الوسائل الاعلامية تنحاز للاقوى فلم لا تفكر البلدان الضعيفة و"المستضعفة" بصناعة نموذجها القوي، لا سيما وان مصادر القوة ووسائلها متوفرة فيها، وتكاد تكون الدول العربية تمتلك جميع مقومات النجاح والعراق قد يكون الاكثر استعدادا لفتح صفحة جديدة تسود فيها امنيات مواطنيه بتسلق سلم الكبرياء الوطنية التي فقدها البلد بتراكم الازمات وترحيل الحلول، فلدينا من الافكار الكثير والتي تقف في طوابير الانتظار لتعقد قرانها مع اول مسؤول يتقدم نحوها، ومن الانجازات الانسانية نملك ما لم تملكه دول كبرى وهي توفر وقودا متجددا لتطوير القوة الناعمة الضرورية لاستمرارية دورة حياة الدول.

الازمات التي يعيشها العالم سواء اكانت في بريطانيا او في الشرق الاوسط ما هي الا انعكاس للتغيرات في التحالفات والتقاطعات الاقليمية والدولية، ومع فطام بريطانيا من امها الاوربية العجوز قد تتغير الكثير من قواعد القوة والنفوذ في العالم وفي نقطة التحول هذه ستفتح الفرصة لصعود دول لم يكن لها مكان في قاموس الفاعلين الدوليين، فلم لا يكون العراق من المرشحين لتبوء مكان جديد يليق به كدولة ذات سيادة تكون رقما مهما على الاقل في الساحة الاقليمية.

نقول ذلك وكلنا ثقة بان الامكانات البشرية والاقتصادية والثروات الطبيعية التي يتمتع بها البلد تؤهله ليكون مرشحا للانتقال الى وضع جديد، وكل ما يحتاجه بلد مثل العراق للنجاح في هذه المهمة هو وجود الارادة السياسية التي تفكر بمعزل عن التبعية للاخر مهما كان وضعه الديني او السياسي، والتركيز على مصلحة البلد في اي علاقة مع جيران الجغرافيا او اصدقاء الايدلوجيا والسياسة، والشعب الذي عانى من ويلات الحروب وجرب كيف يكون وقودا لصواريخ الغير عليه ان يقود المرحلة القادمة التي ستكون مختلفة كاختلاف بريطانيا الاوربية عن "بريطانيا المستقلة" كما يصفها ترامب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0