أثار موضوع انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوربي الكثير من الجدل والتكهنات وراحت التحليلات تتأرجح بين التهويل والتهوين من تبعات ذلك الانسحاب لكن عند معرفة الدوافع الكامنة وراء قرار المملكة المتحدة، يسلط الضوء على مشاكل جوهرية وبقاءها بدون حل قد تتسبب بانفراط عقد الاتحاد الأوربي، حتى لو جاءت نتيجة الاستفتاء مؤيدة لبقاء المملكة ضمن المظلة الأوربية، إذ طالما نادت المملكة المتحدة بضرورة إعادة النظر بسياسات الاتحاد الأوربي المتصلة بالاقتصاد والأمن، لا بل طالبت باستعادة بعض السلطات التي تخلت عنها المملكة للاتحاد، كتلك التي تتعلق بتحديد ساعات العمل وتبادل المجرمين ولاسيما ماجاء على لسان رئيس وزرائها ديفيد كاميرون بالقول: (إن الاتحاد أصبح أكثر تدخلًا وتقييدا لحياة الأوروبيين مما كان متوقعا، أو بمعنى آخر أصبح عبئا كبيرا عليهم، ما يستوجب إعادة التفاوض حول شروطه)، هذا ما قاله رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مرارا وتكرارا في تبريره لرغبة بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي.

لذا فالمملكة أمام خيارين أحلاهما مر، فقد أصبح البقاء ضمن الاتحاد الأوربي عبئا تنوء بحمله المملكة المتحدة، حتى لو جاء الاستفتاء يؤيد بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوربي، فان بقاء الأسباب من شانها أن يجدد مثل هذه المطالب كما ان قرار الانسحاب بإزاء ذلك سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية وسياسية على المملكة.

ضعف التنافسية مع الاقتصاديات الصاعدة

من أهم الإشكاليات التي دفعت المملكة لاختيار الانسحاب موضوع التنافسية مع الاقتصاديات الصاعدة مثل الصين والهند وجدير بالذكر ان المملكة المتحدة لا تعاني من هذه المشكلة بشكل منفردة، لكن تظهر هذه المشكلة ضمن المنظومة الأوربية ككل فهي تتخوف من سيطرة دول منطقة اليورو الـ17 على مجريات اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي، إذ يؤكد الخبراء على أن الاتحاد النقدي الذي رفضت المملكة الدخول فيه، أصبح محور اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي، وأصبحت جميع القرارات تتطلب تفاوضا من قبل أعضائه في البداية، ثم يتم عرضها بعد اتفاق الأعضاء في منطقة اليورو على دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة، وتتوقع بريطانيا ان نمو الاقتصاد الأوروبي من خلال الاتحاد قد توقف تقريبًا في مقابل نمو اقتصاديات صاعدة مثل الصين والهند.

الهجرة

تعاني المملكة من مشكلة المهاجرين ولاسيما غير الشرعية اذ يربو عدد المهاجرين على 863 ألف وهم بالإضافة إلى العبء الذي يشكلوه على الاقتصاد ومستوى المعيشة والخدمات العامة كالتعليم والصحة، كما انهم يؤثرون على النسيج الاجتماعي أيضا، وترى المملكة ان قوانين الاتحاد هي السبب وراء تدفق المهاجرين وعلى الرغم من مطالبات المملكة بوضع آلية لضبط حركة الهجرة على حدودها مع الاتحاد إلا أن مطالبها لم تنفذ.

الداخل البريطاني

يرى البعض أن الأزمة الاقتصادية قد ساهمت دعم التيارات اليمينية المتطرفة ليس في المملكة المتحدة فحسب بل وفي عموم بلدان الاتحاد الأوربي كذلك، لذا فأن حزب المحافظين برئاسة كاميرون تبنى موضوع العضوية في الاتحاد الأوربي على الرغم من معارضة حزب الديمقراطيين الأحرار المعارض.

التداعيات المترتبة على الانسحاب

لاشك ان تصويت الناخبين في المملكة المتحدة لصالح الانسحاب ستترتب عليه الكثير من النتائج على المملكة وعلى الاتحاد الأوربي على السواء، اذ على الصعيد الاقتصادي سيتباطأ نمو الاقتصاد البريطاني بإزاء ذلك فان الاتحاد الأوربي سيتضرر لان المملكة المتحدة هي أكبر شريك تجاري لمنطقة اليورو، ومعروف أنها تشكِّل 4% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بأسرها. كما ستخسر المملكة المتحدة فرص عمل تقدر بالملايين في الشركات الأوربية التي تضم عاملين بريطانيين. اما على الصعيد السياسي والعسكري هناك توقعات ترى بأن المملكة ستخسر نفوذها وتأثيرها لدورها ضمن الاتحاد كما ان ذلك سيكون على حساب علاقة المملكة مع الولايات المتحدة طالما ستحرص الأخيرة استمرار الشراكة السياسية والعسكرية مع الاتحاد الأوربي. كما ان قرار المملكة بالانسحاب قد يدفع اسكتلندا بتجديد مطالبها بالاستقلال عن المملكة.

ومهما يكن من أمر التداعيات المترتبة على انسحاب المملكة فأن هذا الخيار، أي خيار الانسحاب جاء في ظل عدم انصياع الاتحاد لمطالب المملكة وإصرار الأخيرة على استعادة سلطاتها الأمر جعل من التسوية أمرا مستبعدا. وبغض النظر عن التداعيات المترتبة من انسحاب المملكة، فإن هذا القرار أماط اللثام عن تحديات خطيرة تواجه مسيرة الاتحاد الأوربي تؤكد إعادة النظر بالعديد من السياسات التي تبناها الاتحاد.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1