في سابقة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، حوّل النظام السعودي موسم الحج كغيره من الأعوام من عبادة إلى تجارة، ما حرم الإيرانيين من أداء أحد أركان الإسلام الخمسة، رغم تشوقهم لذلك، هذا عدا عن (تسييس) هذا الطقس من طقوس العبادة عند المسلمين، وحجب حق أداء هذه الفريضة بقرار من آل سعود عمن لا يدور في فلك مصالحهم من سائر شعوب الأمة الاسلامية. وفي اعتقادنا أنّ هذا القرار باطل وغير مشروع باعتبار أن أداء فريضة الحج حق لله يؤديه المسلم بناء على ما جاء في القرآن، ولا يحق للحكومة السعودية أن تمنع أي مسلم من أداء فريضة الحج. وأقل ما يوصف به قرار منع الحجاج الإيرانيين، هو الجور غير المسؤول، إضافة إلى أن الحكومة السعودية ستكون مسؤولة أمام الله على اتخاذ مثل هذا القرار.

وهنا أريد أن أتساءل: متى كانت فريضة الحج مُسيّسة تتحكّم بها آراء الأمراء والملوك؟ متى كانت شريعة الله وسيلة في أيدي السياسيين؟ وكيف يمكن لهم أن يمنعوا الآلاف من الإيرانيين من التوجه لأداء هذه الفريضة المقدسة، ومتى كان أداء المناسك حكراً على دولة دون أخرى؟ ألم يقرؤوا قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (سورة البقرة:114)، ثم ألم يتلوا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) (الحج: 25).‏‏

إن الحج فريضة من فرائض الإسلام وهي خالصة لله تعالى قال سبحانه: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (سورة البقرة:196) فلا يجوز منعها بمجرد الخلاف أو المعارضة أو حتى الاقتتال؛ وليس لأحدٍ أن يمنع أحد من أداء فريضة دينية مهما كانت أسبابه فإن فعل ذلك فقد استحق صفة الظلم والصد عن سبيل الله وبالتالي استحق العاقبة التي بيّنتها الآية وهي الخزي والعذاب الأليم.

لقد بات من المؤسف تغلغل (السمسرة) في طوايا هذه الشعيرة المقدسة، وأن تستخدم (ورقة الدين) لتحقيق مكاسب تجارية وأرباح وريعية تجنيها شركات وسلسلة الفنادق، وأصحاب المولات والمتاجر العائدة في ملكيتها لأمراء آل سعود، الذين جيروا مواسم الحج وسدنة الكعبة الشريفة، لزيادة ثروتهم الطائلة. ووفق تقرير وكالة مرصد للأنباء اليمنية، فإن الإحصائيات الرسمية والبيانات الصادرة من وزارة المالية السعودية، فإن الإيراد المالي الشامل للمملكة السعودية بلغ خلال 24 عام: 2380 مليار دولار بمعدل 120 مليار و270 مليار و550 مليار. وأعلى إيراد سعودي بالثلاثة الأعوام الأخيرة حيث بلغ 1000 مليار ريال سعودي أي أن إيراد بيت الله الحرام يشكل 20 في المائة تقريباً من الإيراد المالي العام للمملكة السعودية طيلة 24 عام، وعلى حساب الأرقام فإن الإيراد المالي لبيت الله الحرام بمكة المكرمة يعادل ميزانية عشر دول عربية خلال 24 عام .

فعاماً بعد عام يرتفع عدد الحجاج القادمين من داخل وخارج السعودية نتيجة لنمو عدد شركات الطيران ووسائل السفر حول العالم من جهة، وتزايد أعداد الفنادق وأماكن السكن من جهة أخرى، ولا شك أن كل حاج بغض النظر عن إمكانياته المالية يتكيف مع الوضع السائد هناك عند وصوله سواء باتخاذ الأرض الكائنة بجوار المشاعر المقدسة سكناً له، أو السكن في أفخر الفنادق التي تم تأسيسها حول الحرم النبوي والكعبة.

إنّ فريضة الحج أصبحت اليوم توفر ملايير الدولارات سنوياً، وتنشّط أعمال وحركة اقتصاديات الكثير من المؤسسات والشركات والمحلات التابعة لأسرة آل سعود، ومن المفارقات الفاجعة أن يجير آل سعود هذه الأموال الهائلة لتمويل الإرهاب وزعزعة أمن واستقرار عدد من دول المنطقة، في إطار المخطط الأمريكي لإعادة رسم خارطة شرق أوسط جديد وبدل تجييرها لمساعدة شعوب الأمة الإسلامية المنكوبة كالشعب الفلسطيني وأهلنا في غزة كأقرب مثال، ما يبرر ضرورة الدعوة إلى تحرير الأماكن المقدسة من شهوة آل سعود للكسب والإنفاق غير المشروع باستغلالهم لشرف تخديمها وسدنتها.

في ظل ما نحن به، والدور الوهابي المتصاعد على ساحة إهدار الدم العربي، وتعطيل ركن أساسي وهو فريضة الحج للإيرانيين وقبلهم السوريين واليمنيين وفلسطينيي الشتات الذين حرموا من أداء الفريضة بحجة منع دخول عناصر إرهابية إلى المملكة، و''بدون'' الكويت...، فلابد من وجوب إدارة للمقدسات الإسلامية بعيداً عن الخلفيات الوهابية التكفيرية، فالضرورة تقتضي تحييد المدن الدينية والأماكن المقدسة بعيداً عن الأنشطة السياسية الوهابية المتغيرة، وإعادة الدور التوفيقي للحجاز الذي أصبح منتدى للأفكار الوهابية المتطرفة وتحولت أرض الحجاز الإسلامية إلى كيان لا هوية له، بعدما كانت تحتوي جميع المذاهب والمدارس الإسلامية.

والحل يكون بإعادة الاعتبار للمدن الدينية والعتبات المقدسة والسلطة المعنوية للحجاز بتأسيس لجنة دولية إسلامية متضامنة للإشراف على الحج وأن يكون لها دوراً محورياً في حماية المقدسات الأخرى في العالم الإسلامي. فمكة والمدينة من مسؤولية مليار و700 مليون مسلم بالعالم وليست مسؤولية آل سعود. فمكة المكرمة والمدينة المنورة يجب أن تكونا تحت سلطة دينية وليست سلطة سياسية جغرافية، مثلها كمثل الفاتيكان بالنسبة للإخوة المسيحيين في العالم فهي مفصولة عن أي قرار سياسي في العالم. فالحج لبيت الله والسياسة لأهل الأرض، وبهذا لا تتأثر هذه الأرض المقدسة بأي مزاج سياسي فقط لأنها تقع تحت سلطته الجغرافية...؟!

فالأماكن المقدسة لم تكن يوماً ملكاً لأحد... ومن منطق الشريعة ألاّ يحكمها مزاج سياسي ما... من شريعة المنطق أن تعطى هذه الأماكن المقدسة في جغرافية محددة ما يلزمها بدور الأب الروحي لجميع المسلمين في العالم والسؤال: هل هذه الدولة تقدم هذا الدور!؟ ومن منطق اقتصادي، توافد المسلمين على هذه الدولة ليس إلا لوجود تلك الأماكن المقدسة فيها ما يخلق ريعاً اقتصادياً كبيراً هي ليست أصلاً بحاجته لأسباب اقتصادية معروفة… وهنا أليس من الواجب أن توجه هذه المداخيل إلى البلدان الإسلامية التي تحتاجها؟

وأخيراً وليس آخر، فالحج ركن أساسي من أركان الإسلام لا تستطيع دولة ولا نظام ولا السياسة أن تسيّس هذا الركن، وأنه يجب تخليصه من أن يكون خاضعاً لأهواء أو رغبات أو لقرارات أو لأسس سياسية باعتباره جزءاً من إسلام المسلم لا يصح الإسلام إلا به.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0