قال الله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}.

الإسلام بخطابة الواضح لنا من القرآن والسنّة يمتلك ثروة هائلة من الآيات والروايات التي تحدّد لنا خطوطاً ترسم لنا السعادة في الحياة! ولكن الخلل الذي أصاب الوعي الإسلامي جعله غير قادر على الفهم المعمّق لهذا الخطاب، بالإضافة إلى أن تهميش هذا الخطاب والفهم السطحي لترادفاته حوّلته إلى خطاب منقوص!.

الشورى هي أحد أهم المفاهيم التي لم تأخذ دورها الــحقــيقي في الوعي الإسلامي تصوّراً ونظرية وفي السلوك العلمي تصديقاً وتطبيقاً. لذلك فإنّ الذين اتجهوا نحو الديمقراطية واعتبروها هي الحل الناجع لمشكلات الحياة لم يفهموا حقيقة الشورى إلاّ كونها حالة أخلاقية شخصية. ولكنّهم بعيدون جداً عن الوصول إلى شاطئ الأمان الذي لا تستطيع الديمقراطية أن توفّره بشكل متكامل.

فهل يمكن للدين الإسلامي وهو الدين الذي رسم وحدّد للإنسان الأحكام والآداب في كل جزئية من جزئيات حياته، هل يمكن أن ينسى أو يعجز عن إيجاد نظام عملي عام ينظم الحياة اليومية بحيث تتكامل قوى المجتمع وتتوافق وتصل إلى مرحلة الانسجام والاتفاق؟

وهذه هي أهم نقطة لتحقيق الإسلام عملياً وتطبيقه على الواقع، فمجرّد الفهم العقائدي والفقهي والتاريخي لجوانب الدين لا يعني وجود القدرة على إنجاح الإسلام ما لم توجد القدرة الفعلية على إدارة الجانب العملي والتطبيقي للإسلام، والشورى هي النظام المتكامل الذي يعطي القدرة على تطبيق الإسلام. وهذا الكلام يحتاج إلى الكثير من التأمّل والتعمق، لذلك لابدّ أن نلاحظ بعض الخطوط العامة التي يمكن أن ترفع بعض الغموض الذي قد يعتري هذا البحث:

إن هذا الكون خلقه الله وأوجده ضمن نظام خاص ووفق قوانين وسنن ثابتة، لذلك فإن أي شيء يحدث لابدّ أن يكون ضمن إطار القوانين الطبيعية؛ والتفاعلات والتغييرات التي تجري في هذا الكون هي ضمن البرنامج الكوني وليست خارجة عنه لذلك لا يمكن الخروج عن قانون الجاذبية والتمرّد لأنه من القوانين التي تندرج في هذا النظام.

وهذا يشمل كلّ صور الحياة، إذ أن كل شيء له نظام وبرنامج محدّد يعمل وفق موازين معينة لأنّ الله عزّ وجل ذو الكمال المطلق لا يخلق النقص والفوضى. وإذا كان هناك قصور أو تقصير في فهم النظام الذي يرتبط بأحد جوانب الحياة فهذا لا يعني قصور النظام وخلله بل أن القصور في إدراك الإنسان المحدود والضعيف. إن اختيار النظام المناسب والصحيح والمتوافق مع السنن والقوانين التي جعلها الله سوف يوصل إلى الهدف المراد تحقيقه، ولذلك فإن الذين لا يصلون إلى تحقيق ما ينشدونه من بحث علمي أو فرضية أو حلم سياسي أو طموح اجتماعي إما انهم لم يختاروا النظام المتوافق أو اختاروا النظام المتوافق ولكنهم لم يحسنوا التطبيق على الصعيد العملي؛ وبعبارة أخرى لم يستطيعوا أن يوجدوا ذلك النظام المتوافق مع سنة الله ويطبقوه تطبيقاً سليماً.

الإنسان لا يمكن له أن يتحرك وفق منطلقه الخاص، بشكل مطلق بل هو يتحرّك ضمن الإطار الثقافي والنظام الاجتماعي العام حيث يتحدّد فكره وسلوكه وتصرفاته وتقاليده حسب ما ترسّخ فيه من ذلك البرنامج والنظام الذي نشأ وتربى فيه واستقى منه عادة، وهذا ما يسمّيه علم الاجتماع منظومة المعايير والقيم التي تحدّد الثقافة العامة للمجتمع وتبني السلوك الفردي لكل عضو من أعضاء المجتمع. وقد تكون هذه المنظمة التي تحدّد النظام العام مبنيّة على قيم ومعايير فاسدة أو ناقصة، مثل ذلك النظام الذي يبيح شرب الخمر أو الزنا أو الربا أو الكذب وما شابه ذلك.

إن تحقيق ذلك المجتمع السليم والمتوافق مع سنن الله وأحكامه يعتمد على إيجاد النظام السليم الذي يعتمد على معايير وقوانين سليمة.

الإسلام هو منظومة متكامـــلة من القيم والمعايير التي تحدّد ثقافة الإنسان المسلم بحيث تبني نظاماً وبرنامجاَ معيناً لحركة هذا الإنسان في المجتمع وبالتالي يحدّد هذا النظام الخطوط العامة لشكل وتركيبة وعمل المجتمع. لذلك فإن أي خلل في تطبيق هذا النظام بتطبيق بعض البرنامج دون الآخر، أو سوء التطبيق قد يؤدي إلى إيجاد خلل عام في النظام، فعلى سبيل المثال لا يمكننا تطبيق حدّ السرقة ما لم تحل المشكلة الاقتصادية عبر تحقيق وتنفيذ مناهج الإسلام في القضاء على الفقر والبطالة وتحقق الأمن الاقتصادي للمجتمع.

الشورى هي أحد أجزاء النظام الإسلامي حيث يتكامل هذا بتطبيق الشورى بالصورة الصحيحة مع بقية مكونات النظام أولاً؛ وثانياً فإن نفس الشورى بحدّ ذاتها هي نظام داخلي ينجح بتكامل العناصر اللازمة لتحقيقه ثقافياً في منظومة القيم والمعايير وعملياً بتطبيقه بالصورة الصحيحة، ولذلك لابدّ من معرفة هذه العناصر لتحقيق هذا النظام المتكامل:

1 - ترسيخ مفهوم الشورى كثقافة أساسية في الإنسان المسلم يتربّى وينشأ وفقها بحيث تصبح معياراً أساسياً في حياته وبذلك تصبح القيمة والفكرة التي لها الأولوية في تحقيق حاجات المجتمع الفكرية والثقافية. ولا يمكن تطبيق الشورى في مناحي الحياة بالصورة السليمة ما لم تصبح كثقافة أساسية مترسّخة في الوعي الاجتماعي والشعور المشترك العام.

وبالطبع فإن المجتمع الذي لا يرتبط بالشورى ثقافةً وفكراً وواقعاً قد يستغرب من هذا المفهوم الحديث عليه كما قد يستغرب من كل مفهوم حديث، وقد يواجهه بعنف أو عدم مبالاة، ولكن التوعية الثقافية المتواصلة والدخول في التجارب وتحمل المشاكل والسلبيات الناتجة منها سوف ينمّي هذه الثقافة وينضجها تدريجياً. فالأفكار المولودة حديثاً لها عمر كعمر الإنسان أو كعمر الشعوب، فهي تنشأ وليدة وتتمرّد في عمر المراهقة وتناضل في عمر الشباب وتنضج في مرحلة الكهولة حتى تصبح حقيقة مقبولة في الفكر والعمل.

2 - إنّ الشورى نظام أساسي مركزي يشكّل البنية التحتية للبناء الاجتماعي العام. وعلى هذا فإنّ الشورى ليست نظاماً فرعياً في البناء العام كما قد يتصوّر البعض وهو أن الشورى نظام سياسي محدود أو أنها حالة إدارية أو أخلاقية معينة ومحددة. فلو كانت الشورى مجرّد حالة فرعية أو تطبيق محدود لتحوّلت إلى نظام مؤقت متزلزل لا يمتلك مقومات الثبات والاستمرارية ويزول بزوال الظروف التي أنجبته، كما نرى ذلك في بعض الديمقراطيات الناشئة التي أَوجدت الديمقراطية فيها لحاجات ظرفية مؤقتة فهي حينئذ لا تشكّل بنية أساسية تحتية لكلّ الممارسات والبرامج السياسية والاجتماعية والفكرية، ولكي تتحوّل الشورى إلى واقع أساسي بنيوي لابدّ من إيجاد روح الشورى لا مجرّد آليتها، فالآلية لا تكفي لتطبيقها ما دامت بعيدة عن جوهريتها وروحها.

وهذا ما يقوله علماء الحقوق والقانون: إنّ مجرّد وجود الدساتير والقوانين لا يعني أن هناك تطبيقاً فعلياً وصحيحاً لها وتطبيقها السليم يتم بوجود روح الدستور أو القانون.

3 - تتحقّق تكاملية الشورى بتطبيقها روحاً وقانوناً على كافة الأصعدة حتى يمكن تحويلها إلى تكاملية مركّزة في عمق الكيان الاجتماعي ولا تبقى مجرّد حالة سطحية. فالبعض يحلو له الانتقاء وتطبيق الأفكار والنظريات في بعض الأصعدة دون الأخرى، كما نرى ذلك في بعض الديكتاتوريات حيث تمنح الحرية الاقتصادية وتسلب الحرية السياسية، أو تحدّد الشورى في نطاق ضيق غير قادر أن يتجاوز الحد المحدد له من قبل، مثل إيجاد مجلس شورى شكلي لا يستطيع أن يتخذ أبسط القرارات.

إن الشورى تتكامل بتطبيقها سياسياً بالشورى بين الحاكم والمحكوم عبر الانتخابات والاستفتاءات المباشرة، واقتصادياً بحرية العمل والتجارة، واجتماعياً بالفاعلية الحرّة والمتعددة للتكتّلات والأحزاب والتجمعات، وثقافياً وفكرياً بتعدّد الآراء وتعايش الأفكار وحرية التعبير.

الشورى نظام متكامل يحمل في طياته مقوّمات البناء والعطاء والتقدم والسعادة وكل ذلك يحصل بالفهم الواعي والعميق لمفهوم الشورى والتطبيق السليم لما بعد المقومات والعناصر اللازمة.

يقول عزّوجل: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً}.

* مقال منشور في مجلة النبأ العدد 16-1418/1997، تحت عنوان: مـدخـل الى نظـام الشــورى

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1