تُعد القروض العامة احدى سياسات المالية العامة التي تلجأ اليها الدول النامية والمتقدمة على حدٍ سواء، لتغطية النفقات العامة (الجارية او الاستثمارية أو كليهما) التي تعجز الموارد المالية المحلية عن تغطيتها، هذه القروض لا تُستثنى من الآثار التي يمكن ان تتركها سواء كانت ايجابية أم سلبية، وعلى المنتجين أم المستهلكين، وعلى الاجيال الحالية أم القادمة …إلخ. المهم انها تترك أثراً واضحاً وهذا ما دفع نحو دراسة وتحليل الاسباب والآثار المحتملة لقرض صندوق النقد الدولي إلى العراق البالغ 13 مليار دولار الذي تم الاتفاق عليه يوم الخميس المصادف 19/5/2016 بعد مفاوضات دامت لأربعة ايام.

هناك اسباب جعلت العراق يلجأ للاقتراض من صندوق النقد الدولي التابع للأمم المتحدة وهي انخفاض الموارد المحلية اللازمة لتغطية النفقات العامة، إذ من المعروف ان الاقتصاد العراقي يعتمد وبشكل كبير جداً في تمويل الموازنة العامة على الموارد النفطية (والتي تساهم بأكثر من 97% من اجمالي الايرادات العامة في عام 2013 وما قبلها اثناء انتعاش اسعار النفط، لكنها انخفضت مع انخفاض اسعار النفط لتشكل أكثر من 83% و85% من اجمالي الايرادات العامة في عام 2015 و 2016 على التوالي) التي تتسم بالتذبذب كنتيجة للتقلبات التي تطرأ على اسعارها هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى ان اسعار النفط تتحدد وفقاً لعوامل خارجية (الاسواق العالمية)، وبالتالي لا يمكن التحكم فيها، فأي تذبذب يصيب اسعارها سرعان ما ينعكس على انخفاض الايرادات النفطية التي تمثل المورد الرئيس في تغطية النفقات العامة، فيتم اللجوء إلى الاقتراض.

كذلك انخفاض حجم الايرادات الضريبية التي تعد مؤشر على مدى تطور الاقتصاد من عدمه، إذ ان الانشطة الاقتصادية الزراعية والصناعية والتشييد والكهرباء وغيرها، كلما كانت اكثر انتاجية وقدرة على منافسة السلع الاجنبية المماثلة، كلما ساعد ذلك على زيادة الحصيلة الضريبية بشكل أكبر، وهذا ما يساعد على تغطية النفقات العامة دون اللجوء إلى الاقتراض، لكن هذا لم يحصل في العراق، إذ لم تمثل الايرادات الضريبية سوى 2.29% من مجموع الايرادات العامة في عام 2013 ثم تحسنت لتشكل 6% تقريباً و6.96% من مجموع الايرادات العامة في عام 2015و2016على التوالي، وهذا التحسن يرجع إلى انخفاض اسعار النفط، لكن النتيجة حتى مع التحسن في نسب الضريبة تم اللجوء الى الاقتراض بسبب الانخفاض الشديد لمساهمة الضرائب في الموازنة العامة.

كما ان العراق لم يعمل على زيادة النفقات الاستثمارية فحسب بل خفض نسبتها من 39.81% في عام 2013 إلى 34.49% و27.14% من اجمالي النفقات العامة في عام 2015 و2016 على التوالي، واستمر في زيادة حجم النفقات التشغيلية (الجارية) من 60.18% في عام 2013 إلى 75.68 من اجمالي النفقات العامة في عام 2016، وخصوصاً النفقات العسكرية (وزارة الداخلية والدفاع) لمواجهة تنظيم داعش الارهابي، إذ ارتفعت نسبة مساهمتها من 13.82% عام 2013 إلى 16.84% من اجمالي النفقات العامة في عام 2016، وهذا ما يؤدي إلى زيادة الطلب المحلي كنتيجة لعدم مرونة الجهاز الانتاجي العراقي، اي عدم استجابة جهاز الانتاج للطلب المتزايد، لذا سيتم تلبية الطلب المحلي من الخارج عن طريق زيادة الاستيرادات، وهذا يؤثر سلباً على حالة ميزان المدفوعات (اي حصول حالة العجز).

فالعراق يطلب المزيد من الاقتراض الخارجي لتمويل عجز ميزان المدفوعات من ناحية، وتأثير الاستيراد على تنافسية السلع المحلية المماثلة التي لم تتحمل مزيد من الضرائب لان اي زيادة في حجم الضرائب سيترك اثراً عكسياً على مستوى النشاط الاقتصادي من ناحية اخرى. فلم يساهم العراق في بناء قاعدة انتاجية متنوعة فاعلة تسهم في بناء الاوعية الضريبية لكي تستطيع الدولة فرض الضرائب عليها في ظل الظروف الاستثنائية المتمثلة في انخفاض اسعار النفط، حتى يستطيع مواجهة انخفاض العائدات النفطية التي تُعد الممول الرئيس لتلبية احتياجات النفقات العامة.

كذلك الفساد بكافة اشكاله الاداري والمالي والاقتصادي تسبب في هدر الموارد المالية، إذ يشير ملخص التقرير السنوي لهيئة النزاهة لعام 2015 الى ان الاموال العامة التي استردت بلغت قيمتها (32،528،859،617) دينار عراقي، وذلك من خلال سير الاجراءات التحقيقية في عدد من قضايا الفساد، في حين بلغت الاموال العامة التي صدرت احكام قضائية بردها إلى خزينة الدولة (63،283،302،513) دينار عراقي.

أما الاموال التي منعت الهيئة هدرها وإيقاف صرفها حفاظاً على المال العام من خلال إجراءاتها التحقيقية فقد بلغت (1،068،493،924،006) دينار عراقي. وعلى سبيل المثال، قامت وزارة النفط بإعداد دراسة أُنجزت في 23/3/2015 عن الخسائر الناجمة عن الهدر والاهمال وسوء الإدارة في عمليات انتاج النفط، اذ قدرت تلك الخسائر قرابه (14،5) مليار دولار امريكي للمدة من 2011 الى نهاية 2014، هذا ما عبر عنه وزير النفط عادل عبد المهدي " هذا هو الفساد الحقيقي... وهذه هي الخسائر الكبرى والهدر الحقيقي للأموال " وهناك من يقدر مبلغ الهدر بتريليون دولار من 2006-2015 في مجال الطاقة فقط فكيف بالمجالات الاخرى؟‼!‼.

هذه الارقام تشير إلى مدى انتشار الفساد في العراق والذي تسبب في انخفاض حجم الايرادات العامة ومن ثم زيادة حجم العجز في الموازنة العامة وهذا ما يدفع نحو الاقتراض لتلبية متطلبات الانفاق العام.

الآثار الاقتصادية لقرض صندوق النقد الدولي

يكمُن تشخيص الآثار التي يتركها الاقتراض الخارجي، البالغ 13 مليار دولار، على الاقتصاد العراقي بناءً على نقطتين هما: النقطة الاولى تتمثل في الشروط المرتبطة بالقرض سواء من حيث الفوائد وحجم الاقساط السنوية اللازمة لتسديد أصل القرض أم من حيث الشروط التي تضعها المؤسسات الدولية اي صندوق النقد الدولي كمقدمة للحصول على الاقتراض، وهذه الشروط يكمُن خطرها في رهن وخضوع الاقتصاد العراقي للمؤسسات الدولية وفقدان استقلاليته.

إذ كلما كانت نسبة الفوائد منخفضة وحجم الاقساط السنوية منخفضة، كلما تزداد قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الاقتراض الخارجي وخدمته (ولكن بعد التوافق مع النقطة الثانية) والعكس صحيح، لكن الذي حصل في هذا القرض ان فوائد القرض كانت منخفضة جداً إذ لم تتجاوز 1.5%، كما تم تحديد مدة سداد القرض خلال مدة 5 سنوات ولكن بعد 3 سنوات كمدة سماح، اي لا يتم تسديد القرض فور حصول البلد على القرض ومسموح له بان يبدأ بتسديد القرض بعد مرور 3 سنوات، كما ان نسبته تمثل 7% الى الناتج المحلي الاجمالي وهذا ما يعني انه يقع ضمن الحجم الامثل للدين العام إذ ان نسبة 60% من الناتج المحلي الاجمالي تُعد في كثير من الدول والاتحادات الاقتصادية نسبة مقبولة على وفق المعايير الدولية الصادرة عن صندوق النقد الدولي.

وأكد رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانية، جواد البولاني، يوم الثلاثاء المصادق 17 ايار، إن "صندوق النقد الدولي لم يفرض شروطاً على العراق مقابل إقراضه كما يعتقد البعض، إنما قدم رؤية خاصة لمعالجة المشاكل الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، نتيجة اعتماده على النفط فقط"، مبيناً أن "الصندوق يريد من الحكومة العراقية تقليل انفاقها والتركيز على القطاعات المنتجة لتعزز موارد الموازنة". مزايا هذا القرض تجعل العراق محظوظاً في الحصول عليه، وينبغي توظيفه بالشكل الأمثل لانعاش الاقتصاد العراقي والوقوف على قدميه، إذ لربما لم يحصل على قروض خارجية تمتلك المزايا المتوفرة ضمن هذا القرض.

النقطة الثانية والتي تتمثل بالأنشطة التي يتم توجيه الاقتراض الخارجي نحوها، هل هي انشطة استثمارية (رأسمالية) أم استهلاكية (تشغيلية)؟ فلو تم توجيه القرض نحو الانشطة الاستثمارية سيؤدي إلى إنعاش الاقتصاد العراقي عن طريق تفعيل القطاعات الخاملة كالزراعة والصناعة والتحويلية والسياحة وغيرها، وبناء اوعية ضريبية قادرة على تحمل العبء الضريبي لمواجهة اصل القرض وفوائده، ولكن لو تم توجيه القرض نحو الانشطة الاستهلاكية فسيؤدي ذلك إلى ظهور التضخم ولو بشكل طفيف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ان المشكلة التي تكمن في توجيه القرض نحو الانشطة الاستهلاكية تنحصر في عدم بناء قاعدة انتاجية يعتمد عليها في تسديد القرض وفوائده عند حلول موعد السداد.

الاثار الاقتصادية للاقتراض الخارجي

تمر الآثار الاقتصادية التي يتركها القرض الخارجي بثلاثة مراحل هي:

الاولى تتمثل في الحصول على مبلغ القرض الخارجي البالغ 13 مليار دولار الذي يمكن أن تستخدمه الدولة العراقية لتقوية الاحتياطي النقدي البالع 54 مليار دولار ليصبح 67 مليار دولار، وهذا سيدعم قوة الدينار العراقي وبالتالي الحد من انخفاض قوته الشرائية وعدم ارتفاع المستوى العام للأسعار. وأما اذا تم استخدام القرض الخارجي لشراء السلع والخدمات فأن الآثار التي يتركها (القرض) على الاقتصاد العراقي تكون حسب نوع السلع المستوردة، فإن كانت استهلاكية هذا سيؤدي إلى زيادة عرض هذه السلع (الاستهلاكية) وبالتالي منع حصول التضخم، وإن كانت استثمارية هذا سيؤدي الى التوسع في الاستثمار ورفع مستوى الدخل.

والثانية مرحلة انفاق القرض الخارجي، إذا تم حقن الاقتصاد العراقي بهذا القرض سيؤدي ذلك إلى حدوث حالة التضخم كنتيجة لمنافسة الدولة الافراد في الحصول على السلع والخدمات من ناحية، وعدم مرونة الجهاز الانتاجي من ناحية اخرى. والعكس صحيح في حالة مرونة الجهاز الانتاجي سيؤدي ذلك الحقن إلى تحقيق زيادة في الانتاج الحقيقي دون حصول التضخم. ولكن حتى في ظل عدم مرونة الجهاز الانتاجي العراقي لن يحصل التضخم، إلا بحدود بسيطة، وذلك بسبب عنصر التسرب أي يتم تلبية الطلب المحلي المتزايد عن طريق الاستيرادات.

والثالثة مرحلة تسديد القرض الخارجي، ان تسديد أصل قرض صندوق النقد الدولي وفوائده، يتطلب اقتطاع جزء من القوة الشرائية من المستهلكين أو المنتجين العراقيين ونقلها إلى صندوق النقد الدولي للإيفاء بتسديد اصل القرض وفوائده.

ان فرض الضرائب على الاستهلاك سيؤدي إلى تقليص حجم الادخار ومن ثم ارتفاع اسعار الفائدة وانخفاض حجم الاستثمار وانخفاض حجم الناتج الوطني، وأما من حيث فرضها على المنتجين فان ذلك يعمل على زيادة تكاليف انتاج السلع المحلية ومن ثم ارتفاع اسعارها وبالتالي لا تستطيع منافسة السلع الاجنبية في الداخل أو الخارج فتتحطم الصناعات المحلية ويتم اللجوء الى الخارج لسد الطب المحلي هذا من ناحية، وعادة ما يتم تسديد القروض الخارجية بالعملة الاجنبية مما يؤثر سلباً على سعر صرف الدينار العراق الذي يؤدي إلى احداث عجز في ميزان مدفوعات العراق من ناحية اخرى، وكلا الناحيتين تؤثرا سلباً على الاقتصاد العراقي.

الاثار الاجتماعية للاقتراض الخارجي

تستند الاثار الاجتماعية للاقتراض الخارجي على طبيعة البنيان الضريبي، فإذا كان النظام الضريبي يعتمد على الضرائب المباشرة وكما هو الحال في البلدان المتقدمة فان المتحمل الحقيقي لأصل القرض وفوائده هي الطبقات ذات الدخول المرتفعة وخصوصاً إذا تزامن مع ذلك فرض الضرائب التصاعدية وهذا يؤدي إلى اعادة توزيع الدخل باتجاه الطبقات محدودة الدخل، والعكس صحيح، كما هو الحال في البلدان النامية والعراق منها، أي يتم اعادة توزيع الدخل القومي باتجاه الطبقات ذات الدخول المرتفعة عندما يعتمد النظام الضريبي على الضرائب غير المباشرة فيصبح عندئذٍ المتحمل الحقيقي لأصل القرض وفوائده هي الطبقات محدودة الدخل، لكون الميل الحدي للاستهلاك مرتفع لدى هذه الطبقات، وخصوصاً إذا تزامن مع هذا فرض الضرائب التنازلية.

فعلى سبيل المثال ان نسبة الضرائب المباشر تمثل 32.81% من الايرادات الضريبة في عام 2015، في حين تشكل الضرائب غير المباشرة 67.18% من الايرادات الضريبة لنفس العام، هذا يعني ان تسديد قيمة القرض وفوائده في العراق ستتحمله الطبقات ذات الدخل المحدود فضلاً عن ارتفاع ميلها الحدي للاستهلاك الذي يقترب من الواحد الصحيح.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1