دون كيخوته، ذلك العجوز المهووس بالبطولات الخيالية، حيث كان يتصور الحانات قصورا أو حصون سحرية، أما الطواحين فيتخيلها عمالقة أشرار، يرى الدون نفسه فارسا، قد وجد لتحقيق العدالة، وينطلق ينشر خيالاته بين الناس، مما أوقعه في مواقف هزلية، حتى اتهم ما بين الحمق والجنون.

فيدخل في متاهات، وهو يحسب نفسه يحسن صنعا، ومع كل تدخل يتسبب بمشاكل كبيرة.

في إحدى المرات، وبينما كان الدون ممتطيا حصانه، سمع صراخ شكوى من مسافة قريبة، فشكر السماء، لأنها منحته فرصة لأداء خدمة، فأسرع نحو جهة الصوت، حيث وجد فلاحا يضرب صبيا، فقام دون كيخوته بدعوة الفلاح بالجبان، وتحداه للمبارزة، لحظتها شعر الفلاح بالرعب، من هذا الظهور الغريب، فاخذ يشرح إلى إن الصبي خادمه، وان بإهماله الشنيع، صار يوميا يفقد رأسا من الغنم، في النهاية سويت المسألة، بان يطلق الفلاح سراح الصبي، ووعد أن يدفع له كل أجوره.

فامتطى دون كيخوته حصانه، وهو مسرور بما فعل من بطولة، وبعد ذلك قام الفلاح بتقييد الصبي من جديد، وأشبعه ضربا بالسياط أكثر من كل مرة، حيث جعل الاتفاق تحت حذائه!

بعد أيام كان دون كيخوته في مجلس، يحكي لهم بطولاته في نشر العدل، وكان بين الحضور ذلك الصبي المسكين.

فانطلق دون كيخوته يروي للناس كيف أنقذ الصبي من بطش الفلاح، فأجاب الصبي:

- كل ما تقوله صحيح، ولكن نهاية القصة كانت على العكس تماما مما تصور سيادتك.

- كيف كانت على العكس؟!

- ليس فقط لم يدفع لي الأجرة، لكن حالما ابتعد جنابك، حتى أوثقني إلى الشجرة، وضربني بالسوط ضربات عديدة، ومع كل ضربة كان ينطق بالسخرية والاستهانة بجنابك، وجنابك الملوم على كل ما حصل لي، لأنك لو كنت مضيت في طريقك، ولم تتدخل في أمور الآخرين، فان سيدي كان سيكتفي بضربي دزينة آو نحوها، وبعد ذلك يطلقني ويدفع لي أجرتي، ولكن سيادتك أهنته، ووجهت إليه أسوأ النعوت، فثار غضبه، وهو لم يستطع أن ينتقم منك، فوجه عاصفة حنقه علي أنا.

اعترف دون كيخوت بغلطته، وبقي حزينا، حيث كان عليه أن يتذكر انه "ما من كلب يحافظ على كلمة يعطيها، إذا ما وجد أن من غير الملائم أن يلتزم بها"، فقال للصبي انه سيسعى لرد حقه اليه، وعندها شعر الصبي برعب كبير، فقال لدون كيخوت:

- حبا بالله يا سيدي الفارس، أذا رأيتني مرة أخرى اقطع إربا إربا، فلا تنقذني ولا تساعدني، ولكن اتركني لألمي، فهو مهما يكن عظيما، فلن يكون أعظم، من الألم الذي يحدث لي، عندما جنابك يساعدني.

ثم ركض الصبي فزعا وقال للدون وهو يبتعد: (أرجو من الله أن يحل اللعنة عليك).

الكثير من ساسة العراق، يمتلكون نفس جنون أو حمق دون كيخوته، خياليين، يحسبون أنفسهم أبطالا خارقين، بل يعتبرون أنفسهم هدية السماء للشعب العراقي! لكن كانت أفكارهم دوما تأتي بنتائج عكسية تماما، فمثلا رئيس الحكومة السابقة، كان يدعي أنه سيعمر البلد، وسيبني جيشا عظيم القدرة، وسيزدهر اقتصاد العراق، فإذا بالبلد ينتكس، فالخراب بدل الأعمار، وجيش هزيل ضعيف، لا يقوى على موجهة حفنة من اللصوص، وأزمة اقتصادية خانقة، مع أن البلد دخلته أموال غير مسبوقة، أما رئيس الحكومة الحالية، فانه أراد أن يصلح، فكانت كل حركته افساد وضياع تام.

اعتقد أن تصرف الشعب العراقي، ضعيف جدا ولا يبتعد عن مستوى تصرف الصبي، فقط نرسل آلاف اللعنات، على من تسبب بالأزمات، ونتمنى أن نعيش في ارض أخرى، لا يتواجد فيها هؤلاء الأبطال الخياليين، مع انه كان يجب أن يكون التصرف أقوى، بحيث يوقف مسرحية السادة السياسيين، في عملية إشاعة الفوضى، ونهب ثروات البلد.

أنهم نسخ حديثة من دون كيخوته، فقط الاختلاف في نقطة، فان دون كيخوته كان الدافع لعمله النية الطيبة، أما هؤلاء الساسة فنياتهم سيئة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0