لم يكن قرار تأسيس وكالة "الأونروا" من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1949 إلا تتويجاً للعبة أممٍ جديدة حققت من خلاها إغتصاب أرض فلسطين، وتسليمها لصهاينة معتدين، ومصادرة ممتلكات أصحاب الأرض، وطرد وتشريد السكان، واستجلاب ملايين اليهود من مختلف دول العالم إلى فلسطين، والتغطية على مشروع تطهير عِرقي إحلالي مستمر منذ ما يزيد عن السبعة عقود، لم تر البشرية مثيلاً له في التاريخ المعاصر..!

ليس هناك من عمل إنساني غير مسيّس، لكن البعض من تلك الأعمال يصب في خانة الإيجاب، والآخر في الجانب المعاكس، منه ما يساهم في الحفاظ على الإنسان وكرامته ويساهم في استرجاع الحقوق المهدورة ولو بعد حين، فقد استطاعت مثلاً المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR) في تسعينيات القرن الماضي وخلال عشرة سنوات من أن تعيد أكثر من عشرة ملايين لاجئ إلى بلادهم في غواتيمالا وموزمبيق وتيمور الشرقية وكوسوفا وروندا وغيرها من الدول وبضغط من صانع القرار في الأمم المتحدة، حينها لم يكن لصاحب القرار إلا أن ينفذ ما يقرره اللاجئ بالعودة الطوعية إلى بلاده من خلال المفوضية العليا، كواحدة من خيارات ثلاثة بعد رفض التوطين في البلد المضيف أو الترحيل إلى بلد ثالث..!

أما وكالة "الأونروا" فقد أُريد لها أن تكون أُلعوبة في يد صانع القرار الأممي، وبغطاء تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، لكن هذه المرة وفق ما يقرره المتنفذين والمسيطرين على القرار في الأمم المتحدة وتحديداً اللوبي الصهيوني والإدارة الأمريكية والحلفاء من العرب وغير العرب..!

استجابة للمعايير الإنسانية وحاجة اللاجئين من جهة، وللعمل على تذويب اللاجئين في الدول المضيفة وشطب حق العودة من جهة أخرى أسست الأمم المتحدة وكالة "الأونروا" وفق القرار 302 لتاريخ الثامن من كانون الأول/ديسمبر 1949، كي تلعب دوراً رئيسياً لتنفيذ ما توافقت عليه 51 دولة كانت تعمل ليل نهار على إطلاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بعد أن اعترفت بدولة الإحتلال الإسرائيلي وفقاً للقرار 181 في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، وسارعت الجمعية العامة لتضيف إلى قرار تأسيس الوكالة فقرة خاصة لتشكيل لجنة إستشارية مكونة من خمسة دول ترسم سياساتها وتقرر استراتيجيتها بالتوافق مع الجمعية العامة اصبح عددها الآن 25 بالإضافة إلى ثلاثة أعضاء مراقبين (الإتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ودولة فلسطين).

منذ نعومة أظافرها قرر اللاعب الأممي أن تستمر هذه الوكالة لمدة عام واحد فقط، يجري بعدها إغلاق الوكالة وقد تحقق الهدف المنشود بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها لا سيما في لبنان وسوريا والأردن ومصر بعد أن ألزمت الأمم المتحدة الدول المضيفة للاجئين بتوقيع إتفاقيات هدنة بينها وبين دولة الإحتلال خلال الفترة الواقعة بين شهري شباط/فبراير 1949 وتموز/يوليو من نفس العام..!

لكن لعبة الأمم ليست قدراَ وتبين أنه بالإمكان قلب الطاولة على صانع القرار الأممي، إذا توفرت الإرداة الشعبية لدى اللاجئين والمتضامنين..، ليقفوا في وجه اللعبة التي رُسم لها بأن تكون الجارفة ولينقلب السحر على الساحر لتتحول الأداة التي أريد من خلالها إزالة شعب كامل وأرض كاملة عن الخريطة السياسية، إلى أن تستمر وكالة "الأونروا" إلى ما يزيد عن 66 سنة ولتصبح الشاهد على الجريمة التي ارتكبتها الأمم المتحدة، لها ارتباط عضوي مع حق العودة، يراد إجتثاثها وتجفيف منابع تمويلها..، وما الأزمات المالية التي "تعاني" منها الوكالة إلا خطوات سياسية تمهيدية تحاكي القرار الإستراتيجي الذي لأجله تأسست، لكن أمام استمرار حيوية قضية اللاجئين لما يزيد عن سبعة عقود، ووضوح رؤية حق العودة للاجئين، حتماً ستكون الخسارة المصير المحتوم لتلك اللعبة الأممية التي بدأت ظُلماً وعدوانا..!

* كاتب وباحث في الشأن الفلسطيني

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0