كسماء في ليل داج، كان وجهه قاتم البشرة ككل أهالي القارة السمراء، لكن ثمة بريق أبيض يشع من عينيه الحزينتين وكذلك بين شفتيه حين تنفرج عن ابتسامة مشعّة.

وإن لم تحجب الغيوم بعض العيون سترى في هذه السماء الكالحة نجوما تومض من بعيد، كجواهر برّاقة تزدان في ثوب أسود.

فستكتشف حينها أنّ السماء ليلا أجمل بكثير من النهار!!.

***

أحسّ بحرقة في حنجرته وهو يتكلم بصعوبة مع ابنه الصغير الناجي الوحيد من بين فكيّ الموت ومن مجزرة أُزهقت فيها أرواح بريئة، فاستشهد ابنه الكبير والآخر سيق مع أقرانه الى سجون يندر ان يخرج منها أحد حيا.

أخذت أنفاسه تتهدج، فجراحه لم تلتئم بعد..

(الحياة يا صغيري أكثر غرائبية من القصص والاساطير التي تقرأها بنهم.. والنهاية فيها مهمة كأهمية النهايات مع هؤلاء الابطال الخرافيين الذين تعشقهم مع أنهم من ورق!!.

ولذلك سأحكي لك حكاية ليست وهمية.. لبطل حقيقي، شخصيّة واقعية بلوننا وبلون "بلال" -مؤذن النبي محمد(ص) رسول الانسانية جمعاء. قاد ثورة عظيمة لم تكن كثورة العبيد على الاسياد البيض ولا كثورة الزنوج على الاستعمار البريطاني الغاشم، إنما كانت على الجهل والتخلف الفكري، على اللّادين الذي كنا نعيشه سابقا وكذلك على الظلم والفقر والتمييز الطائفي.

جاء "الشيخ ابراهيم الزكزكي" وحطّم الاصنام التي تتربع في أعماقنا، حررنا من عبوديّة بغيضة رزحنا تحتها كثيرا، وكان بذلك يواصل مهمّة بدأ بها آخرون.

كموجة تسونامي كان مذهب التشيّع ينتشر في البلاد ويكتسح مدنا بأكملها، فقد بدأت نشاطاته الحركية في الجامعة حيث كنت أدرس وامتدت بعدها الى اوساط الشعب النيجيري وبذلك دخل الآلاف في دين الله أفواجا!!

والآن الملايين يعتنقون مذهب التشيّع بدل الشيوعية والرأسمالية بفضل حركته ومنظمته الاسلامية.

علمنا حب الحسين ورفع رايته في بلاد أخفى التاريخ الاصفر اسم هذا العظيم وثورته.

"ألا من ناصر ينصرني؟!" أوصل ذاك النداء الذي يتردد صداه الى الان منذ عصر عاشوراء وأبى جون بن حوي – العبد الذي اشتراه علي بن أبي طالب (ع) ثم وهبه لأبي ذر الغفاري (رض) – إلاّ ان يلبي نداء سيده ومولاه وهو الذي قضى حياته في خدمتهم وتشرّب من علومهم وصفاتهم الكريمة، فسقط شهيدا مخضبا بدمه فداءا لدين الله وأهل بيت النبي (ص) ووضع سبط رسول الله خدّه الشريف على خد هذا الشهيد ودفن مع بقية الانصار فسُجّل اسمه في سجل الخلود).

ربت على كتف ولده وزفر بأسى..

هل استطاع خيالك يوما تخيّل الوحوش الاسطورية وجرائمها وتراجيديا الاغريق !!

سافِر بخيالك وطُف به الى ذلك اليوم الذي عدت فيه مضرجا بالدم وأحمل أخاك الكبير على يديّ المنهكتين وغمرك الفزع حينها من هول المنظر وفقدتَ الوعي.

كان احد أطول الايام في حياتي، لن أنسى كما التاريخ لن ينسى ويغفر تلك الحادثة الأليمة.

لم يرق لطغاة بلادنا – عملاء اليهود – هذا الانقلاب السريع لآلاف من الناس لمذهب يحمل اسم الحسين، فاسمه يرعبهم ويقض مضاجعهم، فهو رمز لكل الثائرين من اجل إحقاق الحق والعدل.

لم يحمل زعيمنا ولا أتباعه سلاحا يوما!!

كان يؤمن أنّ الكلمة هي أقوى سلاح فقاد تظاهرات واسعة تروم العدالة، ورفع ظلم السلاطين فأراد الطغاة إسكاتها بالنار والحديد.

كجحافل المغول وهمجيتهم، اقتحمت الشرطة، الحسينية التي نصلي ونحيي فيها شعائر الله، وأطلقوا الرصاص ورموا القنابل على الناس العزّل والذين اقاموا بدورهم سدا بشريا ليمنعوا القوات الامنية من اعتقاله وأنصاره.

المئات سقطوا بين شهيد وجريح في ذلك اليوم الدامي، واُعتقل الشيخ وزوجته والعديد من أتباعه وحتى سيارات الاسعاف مُنعت من نقل الجرحى!!. وأضرمت النار وهدِّمت الحسينية.

كما في كربلاء، قتل أتباع يزيد أشرف خلق الله ونكلّوا بالأجساد الطاهرة وأحرقوا خيام الآل والحوراء زينب تنادي"ويحكم أما فيكم مسلم؟!"وهنا التاريخ يعيد نفسه بيد أنه "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله!!".

***

كان لايني يفكر بكلام أبيه، دبّ فيه حماس مفاجئ فجمع شجاعته وانطلق مهرولا، تذكّر أخويه وتشوّهات أبيه ودموع أمه التي تلتهمها بصمت، والفراغات الكبيرة في المساجد والحسينيات وقلوب الناس التي تركها الشيخ برحيله، بدأ ينشج بالبكاء ثم تحول الى نحيب، تسلّى بذكر "جون" وحضره قوله للامام الحسين في عصر عاشوراء "والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دماءكم" فاستشعرت نفسه عزاءً عظيما فدماء كل قبيلته رخيصة لسيد شباب أهل الجنة.

قادته خطاه نحو مسرح الجريمة، الدماء المتخثرة لازالت تهذي بقسوة القتلة، أحجار متكوّمة وكأنه زلزال ضرب المنطقة.. وبقايا لصفحات كتاب الله محروقة وممزقة، جمعها ولثمها بلطف.

وقرّر بحزم أن لا يبكي على الاطلال!!

راح يفتش كمن أضاع شيئا، ووجد ضالته بين الانقاض!!

هي الراية التي تحدث عنها والده وأوصاه بها، راية لا تعرف الانحناء، يحملها أبطال في شرق الارض وغربها، يُقتلون يشرّدون يعذّبون في سبيلها، وليسلموها لذاك المنتظر الغائب، سحبها برفق واحتضنها كمن يحتضن رضيعه، تركزّت عيناه في الفضاء.. بأمل تتعلق بطلعته أحداق العاشقين.

ليست كل الأساطير خرافة!! خُيّل إليه انه يرى الأشلاء المحروقة تتجمع.. تتحرك.. تولد من جديد من الرماد!!

يولد طائر العنقاء الاسطوري.. ينتفض بعزّة وكبرياء، وهذه المرة في افريقيا، أسودَ كالليل الدامس!!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0