في الوقت الذي تستورد فيه السويد النفايات من النرويج من اجل استثمارها في مشاريع الطاقة؛ يعاني العراق من تراكم النفايات في الاماكن العامة التي شوهت معالم هذا البلد، وفي كربلاء المقدسة تعيش المدينة في ازمة حقيقية متمثلة بتراكم النفايات في احيائها المختلفة وهو ما كشفت عنه الكثير من التقارير الاخبارية ودعوات المرجعية الدينية "العملية" من خلال مشاركة ممثلها في كربلاء شخصيا الشيخ عبد المهدي الكربلاء بحملة تنظيف المدينة بعد توقف الحكومة عن دفع المستحقات المالية لعمال التنظيف، وهذه الازمة ليست عابرة كما يصورها البعض بل هي احدى مؤشرات الفشل في ادارة المدينة منذ عام 2003 وحتى الان، وتعكس غياب الارادة الحقيقية من قبل اصحاب القرار للعناية بهذه المدينة المقدسة.

ويقول سكان بعض الاحياء انهم يدفعون الف دينار لعمال النظافة من اجل رفع النفايات بعيدا عن بيوتهم ، كما تقوم ملاكات العتبات المقدسة بشكل طوعي لتنظيف بعض احياء مدينة كربلاء وهم مشكورون على هذا الاجراء سواء المواطن او ملاكات العتبات المقدسة، وهذه اجراء ات يجب ان يخجل منها المسؤولون في المحافظة، لكن كل ذلك لا يوفر حلا مستداما لمدينة يدخلها الملايين سنويا ومن مختلف الجنسيات، فلا يعقل ان تبقى المدينة تعتمد على خطط الطوارئ الى الابد، فمنذ عام 2003 وحتى الان لم نرى اي شيء يوحي بان كربلاء ستكون قبلة السياحة الدينية من خلال المشاريع الاستراتيجية.

مشكلة الإدارة المحلية في كربلاء المقدسة كما باقي محافظات العراق هو غياب الرؤى الواضحة للأمور وعدم تحديد اولويات المحافظة وحتى عدم فهم رمزية هذه المحافظة؛ فرغم التصريحات المتكررة عن قدسية كربلاء الا اننا لم نلمس اي شيء يوحي بان حكومتها المحلية تتعامل معها بما يتلائم وهذه الخصوصية، وبعد انتهاء زيارة الاربعينية المليونية الاخيرة قالت الادارة المحلية للمحافظة بانها ستغادر اسلوب ادارة الازمة للزيارات المليونية مؤكدة على لسان مدير اعلامها على انها تتجه لأسلوب التخطيط المستدام وانها تستعد لاستقبال خمسين مليون زائر سنويا، الا ان الواقع كشف حقيقة تلك التصريحات الجوفاء التي كانت نتيجة طبيعية لنشوة انتهاء مراسيم الزيارة.

عدم اهتمام الحكومة المحلية في كربلاء المقدسة بمختلف قطاعاتها الانتاجية والخدمية لا يقتصر على هذه الازمة فقط بل هي لا تهتم بإيجاد الحلول الناجحة لاغلب المشكلات فتستغل اقصر الطرق للتهرب منها بالاعتماد على التبريرات الجاهزة بذريعة عدم وجود تخصيصات مالية من الحكومة المركزية "التقشفية". ويمكن لأي مواطن ان يعرف حجم الفشل في تسويق مدينة كربلاء كعاصمة للسياحة الدينية في العراق من خلال ضعف الخدمات وانعدام المشاريع الطموحة ذات البعد الاستراتيجي، فانا شخصيا ارى يوميا مشاهدة مخجلة عن انعدام النظافة في شوارع كربلاء وخاصة مع ازدياد اعداد الزوار الاجانب، ففي منطقة لا تبعد عن مرقد الامام العباس اكثر من 150 مترا اشاهد محلات القصابة وهي لا تخضع، لأبسط القوانين الصحية او البيئية، فكم هو مخجل عندما نرى الزوار الاجانب وهم يضعون ايديهم على انوفهم اثناء مرورهم بمحلات القصابة الموجودة قرب مجمع سيد الشهداء الخدمي القريب من مرقد ابي الفضل العباس عليه السلام، ولا نعرف ما سيقوله هؤلاء الزوار عن كربلاء واهلها وماذا سيتحدثون في دولهم عن كربلاء التي تظهرها شاشات التلفاز يوميا على انها اجمل المدن السياحية في العراق. وبالطبع هناك الكثير من الامثلة للمناطق القريبة من مرقدي الامامين الحسين واخيه العباس عليهما السلام ، وهي مناطق تفتقد خدمات النظافة قبل الازمة الحالية ونعتقد انها ستستمر بعدها.

ويظن بعض المسؤولين انهم يستطيعون امتصاص، الغضب الشعبي المتزايد على فشلهم من خلال تصريحات ارتجالية تفتقد للدقة وتعتمد على القاء اللوم على الجهات الحكومية الاخرى وهي لا تتعدى كونها امنيات للمسؤولين من اجل تمييع القضية وتأجيل الحل وهو اسلوب اثبت فشله وفق كل المقاييس.

في العراق نستورد كل شيء حتى الخضروات باتت في قائمة المستورات، لكن حينما يصل الامر الى استيراد تجارب الاخرين فتلك مشكلة عظيمة لان عقل المسؤول العراقي لا يجيد البحث الا بين انواع الطعام في الولائم ذات البعد السياسي بعد كل اجتماع صوري لحل الازمات، فيقف ذلك العقل الحزبي حائرا لا يعرف كيفية البحث في تجارب الناجحين، كونه جاء اصلا من بيئة المحاصصة الحزبية التي تعتمد على الصياح وشتم الاخرين لكسب العواطف والحصول على المزيد من العقود المالية والمقاولات والمزايدات، واذا كانت الادارة المحلية في كربلاء لا تعلم شيئا عن اليات التخلص من النفايات فتجربة البرازيل هي اقرب مثال لتحويل المشكلة الى عامل ايجابي يسهم في رفد الاقتصاد بالمزيد من الموارد، إذ تم تحويل النفايات في البرازيل من عامل سلبي يأثر على اقتصاد البلد وبيئته الى مصدر مهم من مصادر الطاقة فتم بناء محطات كهربائية تعمل على النفايات إذ تولد كل ثلاثة أطنان من النفايات طاقة توازي تلك المتأتية من طن نفط وطنين من الفحم، بحسب خبراء في قطاع الطاقة وبذلك نجحت البرازيل في التخلص من النفايات وتوفير مصدر للطاقة فضلا عن تشغيل عدد كبير من الايدي العامة وهذه العوامل مجتمعة نحن بأمس الحاجة اليها لا سيما ونحن نعيش في ظل اقتصاد تقشفي يبحث عن تنويع مصادر دخله. بحسب ما يدعي القائمون على الحكومة العراقية.

ويؤكد الخبراء البيئيون إن إعادة تدوير النفايات يعد الحل الأمثل للتخلص منها بيئياً وهي مشاريع ذات جدوى اقتصادية عالية وذلك عن طريق تخفيض ميزانية عقود المنظفين وخلق فرص استثمارية بسبب توفر المواد الخام، وبناء منشآت صغيرة ومتوسطة الحجم، وإحلال بعض المنتجات البديلة كما هو معمول به في اسبانيا إذ تقوم شركة "اكوالف" بتصنيع "جيل جديد" من الملابس وادوات الزينة من النفايات المجموعة من البروالبحر. وهناك الكثير من الشركات العالمية تعمل على صناعة منتجاتها من النفايات مثل شركة اديداس للملابس الرياضية وغيرها التي بدات خططا طموحة لطرح الكثير من المنتجات الصديقة للبيئة.

ان النهوض بواقع محافظة كربلاء المقدسة يتطلب وضع اسس جديدة تتلائم مع خصوصية هذه المدينة وما تمثله من رمزية لدى المسلمين في جميع انحاء العالم ، وبالتالي سيكون من اولى عوامل نجاح تلك الاسس الجديدة هي تغيير اساليب ادارة مشاريع المحافظة وخاصة مشاريع النظافة وسبل التخلص من النفايات من خلال بناء معامل كبيرة لتدويرها والاستفادة منها اقتصاديا، ولا يمكن تحقيق ذلك الا عن طريق اعطاء مسؤولية تنظيف المدينة الى جهات اثبتت نجاحها في هذا المجال و لا يخفى على احد مدى نجاح العتبات المقدسة في ادارة مشاريع يمكن وصفها بالاستراتيجية وبشاهدة الكثير من الخبراء في هذا المجال. و يمكن تحويل الاموال المخصصة لتنظيف المحافظة الى العتبات المقدسة وهي تتعهد بهذه العملية ، حيث تملك العتبات خبرة في مجال توظيف الطاقات المحلية واستثمارها باقل التكاليف وتحقيق افضل النتائج الاقتصادية والسياحية.

-----------------------------------
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0