في الأعالي.. يبدو كل شيء صغيرا، هاهي المساحات تتقلص رويدا رويدا وتصبح أكثر قربا والتصاقا الى بعضها، هنا لا تسمع ضوضاء المدينة ولا تستنشق هواءها الملوّث.

من السماء فقط تستطيع ان ترى الارض بلون مزيج.. يا له من منظر بديع!!

أغمضت عينيها قليلا ولمّا فتحتها لم تتراءى لها أيّة ملامح ظاهرة عبر النافذة التي جلست بمحاذاتها.

كانت لحظات مثيرة لم تجربّها يوما، فهي المرة الاولى التي تسافر فيها جوّاً.

أطلقت الطائرة جناحيها للريح وسبحت بين الغيوم، وسبحت هي أيضا بين هواجسها وأفكارها التي ضاق صدرها بها لسنوات طويلة. نزعت عنها حزام الامان وقد لاحظت انها آخر من فعل ذلك، وأطالت عنقها لتطمئن على ابنها الذي غفا في حجر جدّته، أما الاخر الجالس بقربها فقد انشغل بمائدته العامرة وراح يدور كل لحظة على أعقابه ليتبادل الكلام والطعام مع الرجل الغريب الذي تجاوب مع الطفل بحماس بعد ان تجاهله جدّه.

لم تستطع ان ترى والدها بيد انها تسمع زفراته التي يطلقها كل حين، فالسفر الى تلك البلاد يوقظ لديه ذكريات أليمة.

شعرت بالأسى من أجله، فقد هرم من الهم والكمد على ابنه الذي يرثيه كل يوم كميّت، وهو لا يزال على قيد الحياة!!

***

أسدلت الستار على النافذة وفتحت نافذة في رأسها قفزت منها الى الماضي وعادت ذاكرتها الى ايام لا تنسى، عندما عاد شقيقها الى الوطن حاملا بيده اليمنى شهادة تفتخر بها كل العشيرة، فقد حصل عليها بعد جهد جهيد وبدرجات يرفع رأسه بها، وبيده الاخرى خاتم زواج مُرّغ في الوحل بسببه!!

تزوجها اذن.. تلك المرأة التي كان يأتي كل سنة ليقبّل قدم اباه من اجل الموافقة عليها، ولم يظفر منه بالقبول كونها فتاة مختلفة عنهم وعن طباعهم ورفض حتى رؤيتها.

في الحقيقة كانت والدته ممن عارضوا بداية خروجه وتمرّده عن عادات وتقاليد ترّبوا عليها واعراف تقضي بالزواج من ابناء العمومة او ممن يعرفونه حق المعرفة.

لكنهما لانا قليلا بعد أن قابلتا تلك المرأة !!

لم تكن جميلة جدا كما خمنّت لتأخذ بلبّ الرجال، فبنت عمّه التي قُرأت فاتحتها عليه عندما ولدت!! كانت تضاهيها حٌسناً.

لكنها تميّزت بأخلاق عالية والتزام ديني يبدو جليّا لكل من يقابلها وعائلتها، فهي طيبة وذات ثقافة واسعة، حجابها المهيب ميّزها عن الكثير من نساء هذا الزمن، وهي ايضا حافظة للقرآن وتتقن بعض العربية.

علاوة على ذلك فقد انتقلت مع زوجها للعيش في موطنه.

وكانت بحق بعد عدة مقابلات وجلسات، أكثر مما يستحق!!

كل ذلك ولم يرض أبوه والمناقشة معه في هذا الموضوع ضرب من العبث.

وهكذا تزوّج ورزق بابنة ووالده لا يزال يقاطعه ويخاصمه لأنه اختار امرأة لا يعرف جدّها!!.

يخالجها شيء من الأسف يمازجه الحيرة لردة الفعل تلك المبالغ فيها وهي لاتفهم جدوى كل تلك القسوة والتعصّب لعادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان!!.

انّه الضعف والانسياق وراء العقل الجمعي وعدم القدرة على التخلص من قيود تنوء تحت ثقلها نساء العشيرة اكثر من رجالها.

فهي على سبيل المثال لا تزال تتحمل تبعات زواجها من قريبها المريض الذي لم تكن تريده وتحولت بدورها الى ممرضة وزوجة وأم ومن ثم أرملة بائسة تصارع لوحدها الحياة.

تخيلت للحظة لو فعلت فعلة أخيها!! جفلت من هذا الخاطر المرعب فمصيرها سيختلف بكل تأكيد عن مصيره الذي كان النبذ ليس أكثر!! "تلك اذا قسمة ضيزى".

غرق قلبها بالأسى.. ألا من ضوء يظهر في نهاية هذا النفق المظلم الذي طال كثيرا؟؟

***

طغت جلبة الافكار في رأسها على احاديث ابنها والرجل.

القت نظرة الى الوراء وكان الرجل يريه صورا من هاتفه المحمول التقطت في مزارات ومعالم سياحية وأخذ يحدثه عن كل منها ويشجعه على زيارتها في هذه الرحلة.

لم يثر الحديث اهتمامها كثيرا فقد عرفت معظم تلك الاماكن وعرجت عليها مع عائلتها قبل سنوات من دون ابنائها، لكن استوقفها اسم غريب هو جبل على ما يبدو سمي باسم سيدة وجيهة وبني لها مقام في اعلى ذلك الجبل، " شهربانو".

شكرت فضول ابنها فقد سيطر عليها ايضا وستمر مشاكساته دون عقاب هذه المرة بعد ان سأل الرجل عن تلك السيدة ومعنى اسمها الغريب!!

أرهفت السمع الى الرجل ذو الثقافة الدينية المتميزة وغمرها الخجل من معلوماتها الاسلامية الضحلة.

(شهربانو هو اسم فارسي ويعني بالعربية: ملكة المدينة، يعود لأميرة فارسية كانت بنت ملك الفرس، امرأة ذات خلق عظيم، حباها الله بمنزلة رفيعة عندما تزوجت سبط رسول الله الحسين الشهيد، وأسلمت وكانت سببا لإسلام العديد من اهل بلادها، وهي أم الامام علي السجاد، فجدة ثمانية من أئمة أهل بيت النبوة. وعلى قمة جبل مهيب في العاصمة بني مقام لهذه السيدة ويسمونها أهل المنطقة "بي بي شهربانو" اي الجدّة. يقصدها الموالون من اقصى البلاد فهي صاحبة كرامات وتملك لمسة الشفاء).

تراه يستمع الى كلام هذا الرجل ولاسيما انه ذكر (سيد الشهداء) ذاك الذي حبّه يجري في دمه كما يردد دائما وهو يقيم على الدوام مجالس العزاء له وينوح على مصابه كأم ثكلى، ويستقبل زوّاره كل عام في بيته ويقوم بخدمتهم بنفسه وبكرم حاتمي، هي تعلم انّ له قلبا رقيقا يختبئ وراء مظهره القاسي الصلب، لكن يا ليته يعلم ان حب الحسين هو الاقتداء بقيمه وافكاره وليس ممارسة شعائره فقط، فالامام عِبرة وعَبرة!! وللأسف"كلٌ يدّعي وصلاً بليلى".

(اووه ليست عربية!!) قالها ابنها بغباء ودهشة وهو ينظر بطرف عينيه الى جده المتواري خلف صمته.

أردف الرجل ولم يفهم سبب الوجوم والارتباك الذي ساد (يا صغيري!! لا فرق لعربي على اعجمي الا بالتقوى!! والله عزوجل يقول في كتابه الكريم "ان اكرمكم عند الله اتقاكم" مقاييس الحسب والنسب غير موجودة عند الله. ولذلك قدّم أئمتنا درسا لأتباعهم عندما تزوجوا من غير ملل ومن مجتمعات وبلدان مغايرة لأسباب عديدة، فهذه الفروقات سفاسف بنظرهم وهذه السيدة -وغيرها الكثير من النماذج التاريخية- حجّة وشاهد قوي ضد كل من يتبجح بغير ذلك).

(أواصر كثيرة غير الارض واللغة والاصل والقبيلة قد تربط الكثير من الناس. منها الدين والعقيدة والعدو المشترك والاخلاق والمحبة والانسانية، ألم يسمي النبي محمد (ص) صاحبه الجليل سلمان المحمدي بدل الفارسي؟؟ فهويته باتت اسلامه وصحبته لرسول الله وليست أرضه).

انشرحت اساريرها وهي تتأمل وجه ابنها وقد أيد كل تلك الآراء الجديدة عليه وقبلها بحماس.

اعادت وابنها ربط الاحزمة وراحت تنظر من النافذة نحو الافق، الى قمم التلال البيضاء، وفي قرارة نفسها عزمت على استجداء رضا والدها عن اخيها وزوجته وستكون هذه قضيتها التي ستحارب من اجلها وستمدها السيدة شهربان بالقوة وستكون وسيطتها فـ "الشفيع جناح الطالب". وتضرعت الى الله بجاه تلك السيدة الجليلة بأن يعود لشرائع السماء وعقول الأسوياء اصواتهم الهادرة بدل زعيق بعض العادات البائدة.

أعلن صوت ارتطام عجلات الطائرة والتقائها بالأرض الوصول الى المطار بالسلامة. وبقي ذلك الشعور كامنا في داخلها، احساس عصفور يجرب الطيران للمرة الاولى. ما أجمل تجربة الارتقاء الى السماء والرؤية من هناك الى كل التقسيمات التي تبدو مصغرة لا قيمة لها وتتلاشى اخيرا، فهي موجودة بعقولنا ليس إلّا!! "سنصير شعبا حين ننسى ما تقول لنا القبيلة، سنصير شعبا حين ينظر كاتب نحو النجوم، ولا يقول: بلادنا أعلى وأجمل!!".

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
hanan
العراق
احسنت.... وهذا اكثر مانعانيه في مجتمعاتنا .
وربط جمبل .. حين ربطتي هذه الكلمات بأئمتنا .. فهم قدوتنا .. اتمنى لك مسقبل زاهر2016-02-10

مواضيع ذات صلة

0