اذا أردنا أن نعرف درجة التقدم لأمة أو شعب ما، فالمعيار الأفضل للوصول الى هذا الهدف هو ثقافة تلك الأمة، فالتقدم والثقافة يسيران بشكل متجاور، هذا يعني أن المجتمع المتقدم سيكون مثقفا والعكس صحيح، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، أين يكمن دور الإعلام في هذه المعادلة؟ وهل يشترط بالثقافة أن توجّه الاعلام أم العكس هو الصحيح؟؟ وما هي درجة تقدم المجتمع عندما يتحالف الثقافة والاعلام لترسيخ التقدم؟.

إن التقدم لا يمكن أن يتحقق وينتشر من دون أدوات توصيل، ونعني هنا أن وسائل الاعلام ينبغي أن يكون لها دورها الواضح في هذا الجانب، علما أن الاعلام في تعريفه الواضح، هو وسيلة لنقل المعلومة، وطريقة لترويج الفكر، او بث أهداف معينة في محيط محدد، لذا ثمة فارق جوهري يفصل بين الثقافة والاعلام، لسبب جوهري ايضا، كون الثقافة تتحكم بطبيعة حياة الانسان، فردا كان او جماعة، وتطبعها بالتطور او التخلف وتمنحها هوي خاصة تميزها عن غيرها من الثقافات وتحميها من التبعية والذوبان.

وهذا يؤكد أولوية الثقافة، ودورها هو الأساس في تطوير الأمة، لسبب واضح أن حياة الانسان ترتبط من حيث التقدم والتراجع، بجوهر الثقافة السائدة في المجتمع، أما الاعلام فهو وسيلة لا يمكنها التحكم بأعراف وقيم وأخلاقيات المجتمع، لأنه وسيلة توصيل لا أكثر، لذلك تبقى الثقافة متقدمة على الاعلام في صنع المجتمع المتطور، ولكن هذا التصور لا يلغي أهمية أن يكون الجهد الاعلامي ذا سمات معاصرة توازي درجة التقدم الذي يتحلى يه المجتمع.

هناك من يرى أهمية تفوق الثقافة، وأن يكون دورها رياديا، ولكن هذا لا يعني ضمور الاعلام، واعتماد أساليب تقليدية في التوصيل، نعم نحن لا نختلف بأن ثمة فارق يوجد بين الثقافة والاعلام، وهذا الفارق يؤكد ويؤصِّل دور الثقافة، ويجعلها تتقدم دائما على دور الاعلام في صناعة القيم وطبيعة السلوك المجتمعي، ولكن هذه الميزة التي تجعل من الثقافة أهم وأكثر قدرة على قيادة الامة في التفكير والسلوك، لا تعني أننا يمكن أن نهمل الاعلام وأدواته.

وهذا يعني بأننا ازاء علاقة مهمة بين الثقافة والاعلام، فكلاهما يحتاج الآخر، ويمكن أن يضاعف الدعم له، فالاعلام الجيد يدعم الثقافة، والثقافة يمكن أن تجعل منه اكثر تطورا، لذا يرى بعض المعنيين أن هناك علاقة متداخلة تربط بين الثقافة والاعلام، لأن الاخير هو الوسيلة الاساسية لبث الثقافة وتوابعها، ونشرها وترسيخها في الوسط المستهدَف، وهي ايضا تدعم الاعلام وتجعله اكثر تأثيرا وحضورا وفاعلية في المجتمع.

الإعلام ليس بديلا عن الثقافة

هل يمكن أن يكون الاعلام بديلا للثقافة، وهل يمكن أن يقوم بدورها في تطوير المجتمع؟، الجواب سيأتي بالنفي بطبيعة الحال، فعندما تقود الثقافة الاعلام سوف تنفتح آفاق واسعة لتجديد الحياة عبر أطر ثقافية متجددة، كون الثقافة، منهج حياة متعدد المسارات، يتحرك وفق ضوابط متعددة ايضا منها ما هو ديني، أو عرفي، أو قانوني وضعي، أو اخلاقي، وهذا يؤكد الدور الأساس للثقافة في مضاعفة الوعي وتعضيد منظومة القيم، وحماية المجتمع من الانحراف.

أما لماذا يتم تركيز النخب على أولوية الثقافة، وأهمية دورها، فإن الأمر يعود الى قدرتها ودرجة تأثيرها في الأمة، تقدما او تراجعا، وهناك من النقاد والمفكرين يربط بين تقدم الثقافة وتقدم المجتمع بصورة حاسمة لا تقبل التشكيك، لذلك تنطوي الثقافة على فكر واضح الابعاد يتعلق بطبيعة سلوك الانسان الفرد والجماعة، ويتحكم بالمسارات المختلفة للحياة المجتمعية برمتها، وهذا الأمر يمنح الثقافة مركز الأولوية على نحو دائم.

هذا يعني أننا ازاء اجابة حاسمة على السؤال حول امكانية ان يكون الاعلام بديلا للثقافة، لأن الاخير بوسائله وقنواته واشكاله المتعددة، لا يمكنه أن يشكل بديلا للثقافة، ولا يمكنه القيام بدور مماثل لها، لأنه لا يمتلك الجوهر الفكري القادر على صناعة او ادامة منظومة القيم المجتمعية، لذلك من الخطورة بمكان أن يتحكم الاعلام بالثقافة او يقودها، وهذا يحدث عندما يتقدم الاعلام على الثقافة لاسباب عديدة، أولها ضعف الوعي المجتمعي بخصوص الثقافة ودورها في البناء والتطوير، كذلك سيطرة الدولة او الحكومة على الاعلام وجعله تابعا لها، او لجهات محددة لا علاقة لها بحاجات المجتمع الثقافية، هنا سوف يحدث خلط في الادوار والنتائج أيضا.

إن الاعلام يمكن أن يكون مصدرا للتشويه، أو العكس، هنا يكون حضور الثقافة حاسما، لتوجيه الاعلام كي يبتعد عن أساليب التسقيط والتشهير ونشر الفتن، وكلنا نعرف مدى قدرة الاعلام على الترويج لنماذج على الرغم من عدم اهميتها وفقدانها للجوهر الثقافي او الاخلاقي، لكن بمقدور الاعلام ان يجعل منها نماذج يقتدي بها الاخرون، على الرغم من انها ليست كذلك في جوهرها وحقيقتها، فقد تكون في حالة ضمور ولا تستحق مكانة عالية، أو العكس من ذلك.

ويمكن ملاحظة ذلك عندما يمتدح الاعلام شخصية (سياسية، او فنية، او ثقافية ...الخ)، ومثالنا هنا، الكيفية التي انتهجها الاعلام الغربي وربما العالمي بخصوص الترويج لشخصية هشة ومريضة، مثل شخصية مايكل جاكسون على سبيل المثال وليس الحصر، فقد كانت هذه الشخصية مثالا لكثير من الشباب، ليس الغربي فقط، حتى الشباب العربي والاسلامي تأثر به، ولكن عندما نأتي ونبحث في اسرار هذه الشخصية وطبيعتها، فكرا وسلوكا، سنجد أنها شخصية مريضة وشاذة، وغالبا ما تجاوزت على العرف الانساني المتفق عليه عالميا، ولكن هناك اخطاء تحدث تحت بند (حرية الرأي) أو حرية الإعلام.

لا تناقض بين القطبين

كيف يمكن أن يكون الاعلام فاعلا، وما دور الثقافة في ذلك؟؟ وهل يمكن أن تفشل الثقافة في دورها الصحيح حيال العمل والمنجز الاعلامي؟ قد يحدث شيء من هذا عندما تعجز الثقافة عن قيادة الاعلام، أما اذا حدث العكس وتمكنت الثقافة من توجيه الاعلام لصالح المجتمع، فإن الاخير سيكون منتجاً، وفاعلا وقادرا على الاسهام بفعالية عالية في صناعة مجتمع متطور مستقر ينحو الى الابداع وتطوير المواهب والوقوف عند الظواهر الايجابية ونشرها وتشجيعها وهذا يصب في صالح الثقافة.

ولكن ينبغي أن يكون هناك تخطيط سليم لاستثمار الطاقات الكامنة لدى الشباب وغيرهم، بخصوص دعم التعاون بين قطبيّ التقدم، ونعني بهما (الثقافة والاعلام)، ولا يصح أن تذهب مسارات العلاقة بين الاثنين بطريقة متناقضة، أي حالة عدم التعاون، بل العكس من ذلك هو الصحيح، وبالتالي سوف تكون النتيجة صناعة المجتمع النموذجي، من خلال تناغم وانسجام الثقافة والاعلام في دورهما الريادي لتطوير الأمة، وهو الهدف الجوهري الذي ينبغي أن تسعى له الثقافة بمؤازرة الاعلام الموضوعي المعاصر.

لذا من الأفضل أن يسعى قادة الاعلام والثقافة، الى الموائمة بين أهداف القطبين المهمين، وجعل التعاون بينهما هو الاساس في العمل الثقافي الاعلامي، أما الصراع بين الثقافة وتوابعها من جهة، والاعلام وقنواته المتعددة من جهة اخرى، فإنه لا ريب سيؤدي الى ضياع فرص البناء المجتمعي السليم، بسبب توظيف الاعلام من لدن جهات لا ترى في الثقافة ما يؤازرها أو يحقق لها اهدافها، لذلك قد يتم إقصاء الثقافة عن دورها الاساسي الذي يتقدم دور الاعلام ولا يقصيه أو يتنكر لدوره المهم، فالعلاقة بين الإثنين ينبغي أن تمضي في اتجاه متناغم وليس العكس.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1