الاسلام يحل معضلة نفسية بمعادلة رائعة تعود بالنفع على الانسان نفسه، وبالخير على جميع افراد المجتمع، وذلك من خلال التحفيز على التملّك والإثراء، وفي نفس الوقت، وعلى الكفّة الأخرى؛ التحفيز على الزهد فيما في هذه الحياة الدنيا برمتها، والمطلوب للاستفادة من الحالتين؛ التوازن الذكي بحيث يستفيد الانسان من المال ومن الزهد في وقت واحد...
ثمة معادلة تربوية في الإسلام يتحدد من خلالها قيمة عمل الانسان، فكلما كان التحدي أكبر لمعوقات العمل، وجرى في أوضاع غير طبيعية، كانت قيمته أعلى، وهي معادلة تبدو منطقية وعقلية، مثال ذلك في العطاء، فقد يخرج الواحد منّا ورقة نقدية ذات فئة صغيرة من جيبه ويعطيها الى فقير في الشارع، بينما يحتفظ بأرواق ذات فئات أعلى في محفظته بحيث لا يشعر بأي فراغ مالي، بينما اذا صادفه فقير ولم يحمل في جيبه سوى ورقة نقدية واحدة، ماذا يصنع؟
وهكذا في الصبر، فيمكن للواحد منّا الصبر على موعد مع صديقه لدقائق، او حتى ساعة او اكثر في مكان لا يتعرض فيه للازعاج او الأذى، بينما اذا كان يتعرض لضغط نفسي بسبب إثارة الغريزة الجنسية –مثلاً- لأي سبب كان، كيف يكون صبره أمام هذا الضغط النفسي؟
والامثلة على هذا كثيرة، وقد جاءت النصوص الدينية موضحة هذه المعادلة ليعرف الانسان قيمة عمله، ومن ثم يعرف قيمة نفسه من خلالها، فالآية القرآنية تؤكد القيمة الحقيقية للعطاء بأن {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وفيما يتعلق بالصبر فان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يبين الصبر الحقيقي في حديثه لأمير المؤمنين، عليه السلام، بأنه على ثلاث مسارات: "الصبر على الطاعة، والصبر على المعصية، والصبر عند المصيبة".
والزهد، من الملكات الأخلاقية القابلة للتنمية في النفس، هي الأخرى تتطلب تحدياً كبيراً لما هو نقيضه، وهذا ما نعيشه في كثير من الاحيان، فالزهد يعني الاسترخاص وعدم الاهتمام بالشيء، بينما بالمقابل تحرّك الانسان غريزة التملّك والرغبة الجامحة في المال، ولأن القضية تتعلق بالمال والثروة والتملّك، فان الانسان بشكل عام لا يحب الظهور على أنه صغيراً وضعيفاً أمام هذه الرغبة، فيسعى للمكابرة والادعاء بعدم الاهتمام بالمال، إن حصل عليه أو افتقده، بينما يذهب آخرون الى إنكار التملّك بالأساس!
هنا يأتي الاسلام ليحل هذه المعضلة النفسية بمعادلة رائعة تعود بالنفع على الانسان نفسه، وبالخير على جميع افراد المجتمع، وذلك من خلال التحفيز على التملّك والإثراء، ففي الحديث الشريف: "نعم العون على الدين الغِنى"، وفي نفس الوقت، وعلى الكفّة الأخرى؛ التحفيز على الزهد فيما في هذه الحياة الدنيا برمتها، والمطلوب للاستفادة من الحالتين؛ التوازن الذكي بحيث يستفيد الانسان من المال ومن الزهد في وقت واحد.
كيف يكون هذا؟
الخطوة الاولى: فصل المال عن قيمته الحقيقية في الحياة، والحديث الشريف الآنف الذكر يؤكد دور المال المحدود في مسيرة الانسان نحو التكامل، والممتدة نحو الآخرة والنعيم المقيم الذي وعد به الله –تعالى- للمؤمنين: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ}، بينما البعض ينتابه شعور –ربما من حيث لا يشعر- أن عليه الاهتمام بالمال كأولوية قصوى في هذه الحياة، فهي مفتاح النجاح في كل شيء، ولذا قال العلماء: "ليس الزهد أن لاتملك شيئاً، بل الزهد أن يملكك الشيء، وأن تحب المُلك وتنشغل به وبأمور الدنيا، فاذا كان الانسان فقيراً وله قلم يحبه حباً جمّا، فانه ليس بزاهد"، (بحوث اخلاقية- آية الله السيد جعفر الشيرازي).
والخطوة الثانية: إنفاق هذا المال، وإن كانت الظروف في أقسى وأصعب ما يكون، وهنا يكون الزهد الحقيقي بالمال والمُلك، وهنا يكمن جوهر الموضوع، فأن يكون للانسان المال والمُلك من الطرق المشروعة، ومن كدّ يده وعرق جبينه، أمرٌ مُحبب ومطلوب احياناً، بيد أن يكون كل هذا خارج الذات البشرية، وفوق رغبات التملّك والظهور، فهذا يعد الاختبار الصعب.
وثمة أمثلة لا تُعد من التاريخ، ولكن نفضّل الامثلة القريبة علينا لتتبلور المصداقية اكثر، والمثال من المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- كما يتحدث عنه نجله في كتابه المشار اليه آنفاً، بأنه شيّد مؤسسات، وأسس مشاريع عدّة في مدينة كربلاء المقدسة، أبرزها؛ مدارس حفاظ القرآن الكريم لتكون النموذج العملي الأصلح مقابل نموذج المدارس الحكومية، فشيّد ثلاث مدارس للبنين، وثلاث أخرى للبنات، ويبين سماحة السيد جعفر الشيرازي بأن هذه المدارس كانت تضم حوالي ستة آلاف طالب وطالبة، وبعد أن هاجر سماحة المرجع الراحل خارج العراق بسبب الضغوط الحكومية، صادرت السلطات الحاكمة جميع هذه المدارس مع كافة المؤسسات التي شيدها في كربلاء المقدسة، ولم يبق لتلك المدارس أثر إلا واحدة ماثلة للعيان في منطقة باب الطاق القرب من حرم الامام الحسين، عليه السلام، ويعلو البناية لافتة: "مدرسة حافظات القرآن الكريم"، بيد أن السيد المرجع لم يأبه لزوال تلك المؤسسات، لأنه استأنف العمل في تشييد مؤسسات ومشاريع جديدة خارج العراق، وتحديداً في الكويت وايران، وكان كل سعيه أن ترفد الأمة بالوعي والثقافة لا أن تكون دليلاً على شخصه كمرجع دين، حتى أن الحسينية التي شيدها في الكويت في مطلع السبعينات من القرن الماضي، طلب أن تحمل اسم "حسينية الرسول الأعظم"، وكذا الحال بالنسبة ل "مكتبة الرسول الأعظم"، لتكون محط رحال المسلمين من الطوائف كافة لينهلوا من ثقافة أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، لا أن تكون عنواناً لمدينة كربلاء المقدسة، ثم عنواناً له كمرجع دين مهاجر من هذه المدينة.
وإذا اردنا معرفة هوية هذا النوع من الزهّاد في المجتمع، يكفي تفحّص ردود فعلهم في حال فقدانهم لأموالهم وأملاكهم، هل يكونوا مصداق الآية الكريمة: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}؟ أم يكونوا كمن يجزع لفقدانها لاسباب طبيعية، او يفزع ويستفز اذا كان ورائها فعل فاعل، او عمل منافس في الساحة، فربما يتحول من انسان زاهد بكل شيء الى متشبث بكل الوسائل الجارحة مادياً ومعنوياً للرد على من تسبب له بالخسارة والتقليل من شأنه الاجتماعي، ومن قدرته على التحرك والعمل!



اضف تعليق