مصطلح له عدة معان مختلفة، واكثر ما يستعمل مصطلح القوة في الدلالة على ممارسة الضغط او السيطرة على الافراد او الجماعات الاجتماعية الخاصة على يد غيرهم من الافراد او الجماعات.

وطبقا لهذه الرؤية، تمثل القوة امرا عرضيا خارجيا بالنسبة لتكوين كل من الافراد والمجتمع. من ذلك الرأي المتصل بدور الدولة في كتابات المذهب الليبرالي الذي ينظر الى القوة التشريعية –من حيث المبدأ– في ضوء القيود المفروضة على قدرة الدولة على استعمال القوة المبررة على سلوك الافراد الخاضعين لسلطتها. وبناء على مثل هذه الرؤية، لا يتحتم ان تكون ممارسة الدولة للقوة ذات طابع قسري بداهة، ذلك لان القوة التي تمارسها في نطاق وحدود الشرعية تعد ممارسة عادلة. ومن جانب اخر ينظر أصحاب المذهب الليبرالي الى ان أي ممارسة للقوة تجبر الافراد على التصرف على نحو لم يكونوا ليختاروه بحرية على انها ممارسة قسرية.

والقوة والسلطة ليسا مترادفين بالضرورة. لذلك، وعلى سبيل المثال، قام الفيلسوف السياسي جيمس هارينجتون في القرن السابع عشر (واحد أنصار النزعة الإنسانية المدنية) بالتمييز بين القوة الممارسة بالفعل (أي حيازة القوة كواقع فعلي) والسلطة الشرعية (أي السلطة بمقتضى الحق، أي السلطة المكتسبة على وجه مستحق). ويشير هارينجتون الى ان المرء قد يتمتع بالقوة دون السلطة او بالسلطة دون القوة. والقوة بدون سلطة تعبر عنده عن الملمح الجوهري الذي يميز الشكل الحديث للحكومة. والذي يتمثل في حيازة احد الملوك للقوة كواقع فعلي، حيث لا يكون مسؤولا امام أولئك المواطنين الخاضعين لحكمه، وبذلك يحكمهم بدون ان يكون لديه السلطة المستمدة من قبولهم ورضاهم.

وكثيرا ما تعدّ كتابات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو ذات تأثير كبير (وبصفة رئيسية بين أنصار بعض اشكال نزعة ما بعد البنيوية او نزعة ما بعد الحداثة، وهما النزعتان اللتان ارتبط فوكو بهما ارتباطا شديدا في وقت او اخر) في محاولتها إعادة تعريف القوة بطريقة تختلف اختلافا ظاهرا عن طريقة فهمها في النظريات التقليدية.

وهكذا، فان القوة عند نيتشة (وبصفة خاصة كتابه "إرادة القوة") لا تعبر عن الفروقات في العلاقات القائمة بين الافراد او بين الجماعات بقدر ما انها تتخلل الواقع في كل اجزائه، ومن ثم تصبح جوهره وحقيقته. وبالمثل، لا يعتبر فوكو القوة موجودة بوصفها شيئا يمارس على الافراد او الجماعات، بل بوصفها المكون الأساسي للعلاقات التي تنشأ بين الجماعات، ومن ثم بوصفها المكون الأساسي لهوية الفرد نفسه ولهوية الجماعة نفسها.

ومن الأمور الهامة في تحليل فوكو دعواه بان القوة لا تقتصر على كونها المكون الأساسي للواقع الاجتماعي وللأشكال والصيغ الاجتماعية كالذاتية. كما يذهب الى ان خطابات المعرفة تمثل –في واقع الامر– تعبيرا عن علاقات القوة وإنها تجسيدات للقوة (وهي نظرة ترجع الى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، الذي كان يرى المعرفة بوصفها تعبيرا عن القوة. كما ترجع هذه النظرة فعلا الى زمن أقدم من ذلك بكثير، كالزمن الذي عاش فيه احد اعلام الاغريق القدماء وهو جيورجياس حيث نوقشت هذه النظرة في احدى محاورات افلاطون).

تصبح القوة شأنا عاما وجوهريا بالنسبة للعلاقات الاجتماعية للدرجة التي يتعذر معها النظر اليها الا بوصفها مفهوما ميتافيزيقيا.

ماذا تعني القوة في المجال السياسي؟

تناولها المهتمون باعتبارها عاملاً حاسماً في تحديد مكانة الدولة أو الأمة، بالمقارنة بمثيلاتها من الدول أو الأمم الأخرى.

بالعودة الى الأصول التاريخية في الفكر الإغريقي من الناحية السياسية، كان ينظر إلى قوة الدولة على أنها علاقة بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، وبشكل أكثر تحديداً، كانوا يربطون بين نوعية القائمين على الحكم وانتماءاتهم الطبقية من ناحية، وبين علاقات الدولة الخارجية وقوتها في البحار من ناحية أخرى.

واهتم أفلاطون بالموقع الجغرافي للدولة من ناحية الظروف الخاصة بالمناخ والتربة، ويرى أن قوة الدولة تتمثل في الجماعة التي تقوم بزراعة الأرض الوعرة، وهذا النوع هو الذي ينجب أشد السكان بأساً وقوة وأكثرهم اعتدالاً.

أما أرسطو، فيرى أن قوة الدولة تتمثل في القيام بوظيفتها في تحقيق حياة رغدة للجماعة، من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي، إضافة إلى رفع المظالم واستتباب الأمن داخل الدولة.

اما مكيافيللي، فنجد انه يحدد قوة الدولة استناداً إلى العوامل العسكرية، باعتبارها العامل الرئيسي والحاسم في تقدير قوة الدولة، بالإضافة إلى العنصر الجغرافي والمساندة الداخلية والشعبية للحاكم وقدرته على إدارة أمور البلاد.

ويرى إليكس توكفيل، أن توافر الديمقراطية داخل الدولة يعمل على زيادة نفوذها في علاقاتها الخارجية، إذ أنها تساهم في زيادة موارد الدولة الداخلية وتنميتها، ونشر الثروة بين أكبر عدد من المواطنين، ورفع الروح المعنوية، وهذا يعطي مزايا للدولة، ونفوذاً كبيراً في علاقاتها مع الدول الأخرى. ومن ثم تُعد النظم الديمقراطية أكثر قوة من النظم غير الديمقراطية.

يتداخل مفهوم قوة الدولة مع عدة مفاهيم أخرى منها النفوذ، السلطة، الإقناع، الإجبار، والإكراه، أو التسلط، الإلزام، إذ تستخدم هذه المفاهيم كمترادفات أو كعناصر لتحليل القوة.

وقد تستخدم القوة أحياناً بمعنى السلطة السياسية التي تستمد نفوذها من أوضاع قانونية من خلال من يمتلكون السلطة السياسية، ويتضح من ذلك خلط بين مفهوم القوة ومفهوم السلطة، فالقوة مفهوم أشمل وأوسع من السلطة، فإذا كانت السلطة لها أساس قانوني، فإن القوة قد تكون غير ذلك، وقد لا تكون.

وهناك فرق بين القوة والقدرة، حيث يرى "ويكلنسون" أنه من الأفضل استخدام مصطلح القدرات الشاملة بدلاً من مصطلح القوة الشاملة؛ لأن المصطلح الأول، وهو القدرة أكثر ملاءمة؛ لأنه يرتبط بالتركيز على الأشكال المادية نسبياً مع القابلية للتغيير والقياس.

ويميز آخرون بين قوة الدولة والقوة السياسية، فليس كل القوة السياسية هي قوة الدولة، ولكن كل قوة سياسية هي من قوة الدولة الكامنة.

ومن هنا يجب أن نفرق بين القوة والقدرة:

(1) فالقدرة هي مجموع الطاقات والموارد التي تمتلكها الدولة، والتي تجعلها تتحرك في المسرح السياسي بهدف تحقيق المصالح القومية لها، وبعبارة أخرى فإن القدرة هي الموارد الخام التي لم تستخدم أو تستغل بعد.

(2) أما القوة فتعنى تعبئة هذه الطاقات وتحريكها من خلال الإرادة والقرار السياسي، وتبدأ التعبئة من استخدام الأداة الدبلوماسية، فالأداة العسكرية… الخ وبمعنى آخر يمكن أن يكون لدى الدولة قدرة ما، ولكن لا تستطيع أن تحولها إلى قوة لفشل القيادة السياسية أو التنظيم السياسي فيها على التعبئة والتحريك.

مما سبق يتضح أن القوة الشاملة بهذا المفهوم الواسع عبارة عن محصلة لكل المقومات المادية والمعنوية، وما يوفره التطور التقني للدولة، والتي يتم توظيفها في إطار الاستراتيجية الشاملة لتحقيق أهدافها المختلفة، أو يمكن تعريفها بأنها قدرة الدولة على استخدام كل مواردها المدركة (المحسوسة) وغير المحسوسة والمنظورة (المعنوية) بطريقة تؤثر على سلوك الدول الأخرى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0