مع بقاء الحاجة النفسية الملحة للانتماء، يلجأ الأفراد إلى أشكال بديلة من الجماعات. وتأتي كرة القدم لتجعل مزيداً من الناس يشعرون أنهم بحاجة لسد فراغ الانتماء الذي ولدّه تغير مدركاتهم تجاه الجماعات التقليدية، حيث توفر جماعات التشجيع إنغماساً نادراً يخلو من الالتزامات، وتزيد فيها العوائد النفسية على الكلف...

لا أزال أذكر كأس العالم في المكسيك عام 1970 على الرغم من صغر سني حينها؛ فقد أتاح تلفزيون الكويت لنا -نحن البصريين- ولأول مرة رؤية مباريات كأس العالم مباشرةً، وهو ما جعل البصرة تمتلئ بالزوار من المحافظات الأخرى لمشاهدة ذلك الحدث الاستثنائي الذي فازت به البرازيل بقيادة الأسطورة بيليه. ومنذ ذلك التاريخ، لم أفوّت أي كأس عالم.

لكن ما أشاهده الآن يعد استثنائياً بكل المقاييس الجماهيرية، ولا أتحدث هنا عن الجوانب الفنية أو اللوجستية لأنها ليست من اختصاصي، بل عن ظاهرة المشاهدة الجماعية في الساحات والمقاهي والمنتديات وحتى البيوت التي برزت بشكل لافت، بحيث بات الحصول على مقعد في مقهى أو تجمع لمشاهدة مباراة أصعب ربما من الحصول على تذكرة لمشاهدة المباراة في الملعب نفسه، على الرغم من أن بالإمكان متابعة نفس المباراة من شاشة تلفاز البيت براحة تامة. 

فما السر وراء هذه الرغبة الجامحة في متابعة المباريات جماعياً، حتى من قبل أناس لا يفقهون ألف باء كرة القدم؟ وما السر وراء ارتداء الأزياء الخاصة بدول أخرى والتعصب والتأثر لفوزهم أو خسارتهم؟ ما الذي يجعل الناس تنفق كل هذه الأموال وتغادر النوم وتعيش السهر لمتابعة فريق يجهلون حتى أسماء لاعبيه؟ وما الذي جعل أرقام المشاهدة لهذه النسخة من كأس العالم تقفز خلال الاثنتي عشرة مباراة الأولى بمقدار 150 إلى 250% مقارنة بنسخة 2022؟

من وجهة نظر علمية، يمكن تمييز مدرستين لتفسير هذه الظاهرة: الأولى نفسية والثانية اجتماعية. ولأني أركز على ظاهرة المشاهدة الجماعية، ولاهتمامي أكثر بالظواهر السلوكية الاجتماعية، فسأقصر تحليلي هنا على الأسباب الاجتماعية للظاهرة مع الاعتراف التام بأهمية الجوانب النفسية الفردية. 

لقد أدرك علماء النفس منذ وقت مبكر أهمية الانتماء إلى الجماعة للصحة النفسية للفرد، وأن هذه الحاجة تكون أكثر أهمية للنفس البشرية عندما تعيش في وسط يعج بالجماعات المتنافسة المختلفة، حيث تزداد الحاجة لـ "نحن" في مواجهة "هم". 

كما أشارت كثير من البحوث إلى أن الافتقاد إلى جماعة كلية جامعة أو شاملة "كالهوية الوطنية" يرفع من الحاجة للانتماء لهويات فرعية متنافسة؛ لذلك يزداد التنافس، بل والتصارع بين الطوائف والجماعات الأخرى كالعشائر عندما ينخفض الشعور بالهوية الوطنية الشاملة.

وهنا يبرز سؤال استدراكي جوهري: ماذا لو انخفض الشعور بالانتماء للطوائف والعشائر، أو ما يصطلح عليه بالجماعات الثانوية؟ ماذا إذا زاد الشعور بأن الطائفة أو العشيرة وحتى "بلدي" لا يمثلني؟ الجواب العلمي هو أنه مع بقاء نفس الحاجة النفسية الملحة للانتماء إلى جماعة، فسيلجأ الأفراد حتماً إلى الأشكال البديلة من الجماعات. ولذا برزت ظاهرة المواطن العالمي بخاصة في ظل انتشار التواصل والانتقال عبر الدول، كما بدأنا نشهد ظهور الجماعات السيبرانية القوية مثل جماعة المؤثر الفلاني، أو أتباع فلان الفلاني، أو جماعة النظام الغذائي الفلاني، ويدور جوهر هذه الجماعات حول التنافس الأزلي بين "جماعة الداخل" و"جماعة الخارج". وهذا التنافس يأخذ نفس الأشكال التقليدية التي ألفناها مثل فسطاط الإيمان مقابل فسطاط الكفر، وجند الرحمن مقابل جند الشيطان، أو نحن الصح وهم الخطأ؛ إنها باختصار محاكاة عصرية لقصة الصراع الأزلية بين الحق والباطل، وهي محاكاة أثبتت الفحوصات الطبية للدماغ أنها تنشط الأجزاء المسؤولة عن المكافأة وتعزيز الهوية الاجتماعية لدى الإنسان.

إن جماعات التشجيع الكروية توفر إنغماساً تدفقياً نادراً في حياة مليئة بالروتين وتفيض بالمجهول أو المحذور. وفي الوقت الذي تستطيع فيه هذه الجماعات توفير الانتماء والمكافأة، فإنها تخلو تماماً من أي التزامات أخلاقية أو اجتماعية أو دينية كبرى.

ومثلما أظهرت الإحصاءات أن هناك أعداداً متزايدة -وبخاصة لأسباب مختلفة- بدأوا يشعرون أنهم مواطنون عالميون، فإن كرة القدم تجعل مزيداً من الناس يشعرون أنهم بحاجة ماسة لسد فراغ الحاجة للانتماء الذي ولدّه تغيّر قناعاتهم ومدركاتهم تجاه الجماعات التقليدية من طائفة وعشيرة ودين، والتي لم يعودوا شغوفين بها أو منتمين إليها بنفس الزخم السابق.

إن جماعات التشجيع الكروية توفر اليوم إنغماساً تدفقياً نادراً في حياة مليئة بالروتين وتفيض بالمجهول أو المحذور؛ وفي الوقت الذي تستطيع فيه هذه الجماعات توفير الانتماء والمكافأة المعنوية السريعة، فإنها تمتاز بأنها تخلو من أي التزامات أخلاقية أو اجتماعية أو دينية كبرى، فهي جماعات تزيد فيها العوائد النفسية والمجتمعية على الكلف المادية بشكل ملحوظ، ولا تتطلب من الفرد اتخاذ قرارات مصيرية كبرى تؤثر في حاضره ومستقبله، مما يجعلها الملاذ الآمن والأكثر جاذبية للإنسان المعاصر في بحثه المستمر عن الهوية والرفقة.

اضف تعليق