هي دولة تقفز في سياستها هنا وهناك في المنطقة الشرق أوسطية، تعبث بين الحين والأخر بالأمن تارة، والسياسة تارة اخرى، هي دولة ذات سلوك سياسي فوضوي مدمر وضعت نفسها في دائرة الاتهام فأصبحت شريكا للتطرف بعين العالم، هكذا تبدو للمحللين السياسة التركية في العراق خصوصا والمنطقة عموما، فهل نحن أمام غزو تركي؟، أم مقبلين على مشروع شرق اوسطي جديد تتمنهج حدوده وفق السايكس بيكو الجديدة التي تبرمجه وتوزع مناطق نفوذه هنا وهناك؟ أم هناك نية تركية حقيقية في مقارعة الارهاب المتمثل بـ ظهور داعش في المنطقة وتحديدا الموصل المتاخمة للحدود العراقية التركية؟، أم هناك مشروع سياسي تركي قديم جديد يستهدف الموصل كمدينة استراتيجية بالنسبة للأتراك، واستراتيجيتها هذه جعلت منها حلم دائم في الذهنية السياسية التركية؟ أم ان المشروع الكردي كان سببا خفيا وراء تقدم الاتراك وتوغلهم في عمق الحدود العراقية التركية؟

مسألة الغزو التركي على ما يبدو باتت مستوردة من الزمن الماضي ولا تنسجم مع لعبة السياسة المعاصرة للدول التي لها اطماع في دول اخرى خارج حدودها، وربما نابعة من الحلم الامبراطوري الذي يراود المخيلة السياسية التركية بن الحين والآخر ويدفعها لتبني مواقف غير منضبطة على المستوى الخارجي تارة، وعلى مستوى علاقتها بالجماعات المتطرفة والحركات الجهادية تارة اخرى، وربما تسببت هذه المسألة في تجميد العلاقات التركية العراقية.

لكن تبقى قضية الاقبال على المشروع الشرق اوسطي الجديد المتمنهجة مساراته والمحددة حدوده بحدود ومناهج السايكس بيكو الجديدة ذات المنشأ البريطاني، والادارة الأمريكية المتورطة في معالجة هذا المنشأ المناقض لبرنامجها في القيادة، وعلى ما يبدو ان مشروع السايكس بيكو الجديد، ومشروع الدولة التركية كانا اكثر تأثيرا على السياسة الخارجية التركية بل دُفعت لتتبني هذه المواقف بفعل تبلور هذين العاملين، توزيع مناطق النفوذ وعلاقة حلف الشمال الاطلسي بتركيا وازدياد نفوذ روسيا في المنطقة جعل منها أداة طيعة بيد حلف الشمال الاطلسي الذي اراد أن يستقطع ابتداءا منطقة استراتيجية عبر تركيا لإيقاف زحف النفوذ الروسي في المنطقة، فنحن أمام سيناريو التقسيم الجديد خصوصا بعد دخول روسيا على خط مواجهة مباشرة مع الارهاب المسيطر على حدود سايكس بيكو القديمة باستثناء الأردن.

وبخصوص التساؤل النابع من نظرية تركيا في خصوص تدخلها بالعراق وهو: هل هناك نية تركية حقيقية اقتضت مقارعة الارهاب المتمثل بـ ظهور داعش في المنطقة وتحديدا الموصل المتاخمة للحدود العراقية التركية؟،

المؤشرات تؤكد عكس هذه النظرية لان تركيا متأخرة في ذلك وحربها مع الارهاب غير جدية بل لا توجد حرب اصلا، فضلا عن رصد الاقمار الصناعية حركة جماعات متطرفة من والى الاراضي التركية، فضلا عن تصدير النفط، ودخول المواد الغذائية عبر الاراضي التركية الامر الذي يسعفنا في استبعاد قضية مواجهة الارهاب مبرر منطقي تستعمله تركيا لتبرير وجودها وهي تخترق سيادة العراق، ومما يزيد هذا التحليل تأكيدا هو ان داعش لم تتواجد اليوم او البارحة، انما فات على وجودها في المنطقة (الموصل مثلا) قرابة العام ونصف فاين التدخل التركي الراغب في ايقاف الارهاب من كل هذه الفترة الزمنية، ونرى ان الموصل لاتزال تتمتع بمكانة متميزة في الذهنية السياسية التركية لسببين:

الاول: الموصل مدينة طالما تنازعت عليها تركيا مع الحكومات العراقية المتعاقبة ومنذ العام 1918 م والى هذه اللحظة بقيت الموصل تحلم حلما دائما وتسعى الى تحقيقه في كل فترة تضعف بها قوة العراق وتنتهك سيادته، واذا استعرضنا التأريخ السياسي المعاصر للعراق لوجدنا حقيقة ذلك، ففي العام 1918 م رفعت قضية الموصل الى عصبة الامم المتشكلة آنذاك، وتشكلت لجنة سافرت الى الموصل من خبراء دوليين اعتمدوا عنصرين مهمين في قضية ارجاع الموصل الى العراق الاولى: قضية الآثار والحضارات القديمة التي منشؤها وادي الرافدين والموصل، القضية التي اثبتت فيما بعد ان الموصل عائدة تأريخيا الى العراق، وربما يفتتح هذا السبب بابا من ابواب التحقيق حول قضية تحطيم الآثار قبل 8 اشهر تقريبا في الموصل على يد داعش، خصوصا وان تحطيم الآثار حدث بعد عام من سيطرة داعش على الموصل، ثم قضية التصويت والاستفتاءات المباشرة من الاهالي في مدينة الموصل آنذاك، فتشكلت اللجنة بإيعاز من عصبة الامم وأقرت ان الموصل مدينة عراقية متجذرة في الزمن عائدة الى حضارة وادي الرافدين.

الثاني: وربما الأهم في هذه القضية الموضوع الكردي لان الحلم بالدولة الكردية الكبرى يزعج تركيا ويهددها بقوة، فالدولة الكردية ستنقسم على حساب اربع دول وهي سوريا وتركيا والعراق وايران وهذه القضية تعتبرها تركيا مسألة استقرار ووجود لها كقوة فاعلة في المنطقة، لان قيام الدولة الكردية يعني انشطار اجزاء تركيا الجنوبية عن الدولة التركية وهذا يعني بشكل او بآخر تدمير مستقبل تركيا في المنطقة، مدينة الموصل تقتطع جغرافيا الشمال وتضرب عمق الدولة الكردية القادمة بل وربما سوف تؤدي الى افشال المشروع الكردي برمته، وربما كان هذا السبب من اهم الأسباب التي دفعت لدخول داع الى ش الموصل وتوقفها عند الحدود التركية دون ذكر الاسباب.

صفوة القول يجب ان تبقى هيبة العراق وسيادته خط أحمر لا يمكن تجاوزه؛ لان التجاوز على السيادة يعني اهانة البلد وهذا مالا يقبل به تحت أي ظرف كان فعلى اصحاب القرار أن يعيدوا النظر في استراتيجيتهم المعتمدة بخصوص الامن والخارجية، فالأمن والخارجية مسألتان لابد من اعادة قراءة كل منهما بصورة مختلفة والتخطيط والعمل من اجل تقوية العراق والمحافظة على استقلاله وسيادته.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0