ما تزال البلاد تعاني من أزمة إدارة أكثر من كونها أزمة إمكانات... فالأمن بمفهومه الشامل لا يقتصر على غياب التهديدات المسلحة، فالأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي والخدمي يشكل جزءاً أساسياً من استقرار الدول، وعندما يشعر المواطن بالقلق على مستقبله أو معيشته أو فرصه في الحياة الكريمة، فإن ذلك ينعكس على مستوى الاستقرار العام...
عندما يُناقش الواقع العراقي، تتجه الكثير من القراءات نحو إبراز مؤشرات التحسن أو الحديث عن الفرص المتاحة للنهوض الاقتصادي والسياسي، غير أن القراءة الموضوعية تقتضي النظر إلى المشهد من زاوية أكثر عمقا، تركز على حجم التحديات المتراكمة التي ما زالت تلقي بظلالها على الدولة والمجتمع.
فالعراق يمتلك موارد طبيعية كبيرة وموقعا جغرافيا مهما وطاقات بشرية واسعة، إلا أن هذه المقومات لم تتحول حتى الآن إلى مشروع تنموي قادر على إحداث نقلة نوعية في حياة المواطنين.
على المستوى السياسي، ما تزال البلاد تعاني من أزمة إدارة أكثر من كونها أزمة إمكانات، فبعد سنوات طويلة من التغيير السياسي، لم تتمكن المؤسسات من الوصول إلى درجة عالية من الكفاءة والاستقرار تسمح لها بالتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، اذ تستمر الخلافات بين القوى السياسية في التأثير على سرعة اتخاذ القرار، الأمر الذي ينعكس على تنفيذ المشاريع والإصلاحات الضرورية.
ومن أبرز التحديات التي تواجه الدولة ضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة، فهذه الثقة تراجعت نتيجة تراكم الوعود غير المنجزة وتأخر الإصلاحات، واستمرار المشكلات الخدمية، فعندما تفقد المؤسسات جزءا من ثقة المجتمع، تصبح قدرتها على قيادة التحولات الكبرى أكثر صعوبة، لأن أي مشروع إصلاحي يحتاج إلى بيئة مجتمعية تؤمن بجدواه وتدعم تنفيذه.
اقتصاديا لا يزال النفط يشكل العمود الفقري للإيرادات العامة، وهو ما يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للتقلبات العالمية، فارتفاع أسعار النفط يوفر متنفسا ماليا مؤقتا، بينما يؤدي انخفاضها إلى ضغوط كبيرة على الموازنة العامة، وفي ظل هذا الواقع لم تحقق القطاعات الإنتاجية الأخرى مثل الصناعة والزراعة مساهمة مؤثرة في الناتج الوطني، رغم ما تمتلكه البلاد من إمكانات واسعة في هذين القطاعين.
وتبرز البطالة بوصفها واحدة من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا بين الشباب والخريجين. فمئات الآلاف يدخلون سوق العمل سنويًا في وقت لا تتوافر فيه فرص كافية لاستيعابهم. وينعكس ذلك على الاستقرار الاجتماعي وعلى نظرة الأجيال الجديدة إلى المستقبل، حيث تتزايد المخاوف من محدودية الفرص مقارنة بحجم الطموحات.
أما الخدمات العامة، فما زالت تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين. فالكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل تشهد تحديات مستمرة، رغم الإنفاق الحكومي الكبير الذي خصص لهذه القطاعات خلال السنوات الماضية. وتكمن المشكلة في أن حجم الإنفاق لم ينعكس دائمًا على جودة الخدمات بالشكل الذي يتناسب مع توقعات المواطنين واحتياجاتهم المتزايدة.
وفي الجانب الاجتماعي، تركت العقود الماضية آثارا عميقة على البنية المجتمعية، فالحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية والهجرات المتتالية ساهمت في إنتاج تحديات تتعلق بالفقر والتفاوت التنموي وضعف الفرص بين المناطق المختلفة، كما أن تنامي الشعور بعدم العدالة في توزيع الخدمات وفرص التنمية يمثل عامل ضغط إضافيا على الاستقرار الاجتماعي.
ومن القضايا التي تستحق التوقف عندها ظاهرة هجرة الكفاءات، فالعراق يمتلك أعدادا كبيرة من المتخصصين والأكاديميين والخبراء، إلا أن جزءا مهما منهم فضّل البحث عن فرص أفضل خارج البلاد، واستمرار هذه الظاهرة يعني خسارة موارد بشرية تحتاجها الدولة في مسارات التنمية والإعمار والتحديث.
أمنيا، شهد العراق تحسنا مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بالعنف وعدم الاستقرار، إلا أن الأمن بمفهومه الشامل لا يقتصر على غياب التهديدات المسلحة، فالأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي والخدمي يشكل جزءا أساسيا من استقرار الدول، وعندما يشعر المواطن بالقلق على مستقبله أو معيشته أو فرصه في الحياة الكريمة، فإن ذلك ينعكس على مستوى الاستقرار العام.
وفي المحصلة يبدو أن العراق يقف أمام استحقاقات مؤجلة تراكمت عبر سنوات طويلة، ومعالجة هذه الاستحقاقات تتطلب إصلاحا مؤسسيا حقيقيا وتنويعا للاقتصاد، بالإضافة الى تطوير الخدمات وتعزيز سيادة القانون، فضلا عن إيجاد رؤية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة، ومن دون خطوات جادة في هذه الاتجاهات، ستبقى الأزمات تتجدد بأشكال مختلفة، وسيظل المستقبل مفتوحا على احتمالات كثيرة، بعضها لا يدعو إلى الاطمئنان.



اضف تعليق