تتحول المؤسسة إلى مكان ينجو فيه أصحاب العلاقات، بينما يغادره أصحاب القدرات، وعندها يبدأ التراجع الحقيقي مهما كانت الموارد والإمكانات المتاحة... فعندما يصبح القرار رهينة للأهواء الشخصية، وعندما يُكافأ المعرقل ويُحارب المبدع، فإن الانحدار يصبح مسألة وقت لا أكثر...
مهما وضعت المؤسسة من مبادى وقيم وأكدت على ضرورة الالتزام بها، فإنها في نهاية المطاف تبقى مرآة تعكس طبيعة البشر الذين يديرونها، وحيثما وُجد الإنسان حضرت مكارم الأخلاق كما حضرت مواطن الضعف، وبرزت النفوس السامية إلى جانب النفوس الضيقة.
وبينما تنشغل الغالبية بصناعة النجاح ودفع عجلة التطور إلى الأمام، تتسلل فئة أخرى من الافراد إلى مواقع التأثير بصمت لإعاقة كل ما يتجاوز حدود قدراتها أو يخرج عن دائرة مصالحها، فهي فئة لا ترى في نجاح الآخرين قيمة تُحتذى أو فرصة تُستثمر، تنظر إليه كتهديد ينبغي إخماده، وكأنها تؤمن يقينا بأن ما لا تستطيع امتلاكه لا يستحق أن يكون في متناول أحد.
هذه الفئة لا تأتي عادة بوجهها الحقيقي، فهي لا تعلن عداءها للنجاح بشكل مباشر، ولا ترفع شعارات الهدم والتخريب علنا، لكنها تتقن فن العمل في الظل، وتمارس دورها بصمت يشبه صمت السوس الذي ينخر الخشب من الداخل.
وفي طبيعة الحال مثل هذا التأثير يبقى غير ظاهر للعلن، اذ يبدو البناء متماسكا من الخارج، وقد تظل المؤسسة واقفة لسنوات طويلة، لكن التآكل الداخلي يستمر حتى يصل إلى مرحلة يصبح فيها الانهيار نتيجة طبيعية لما تراكم من فساد خفي.
المشكلة الكبرى أن أصحاب هذه العقليات لا يملكون في الغالب القدرة على المنافسة الحقيقية، فهم يدركون محدودية إمكاناتهم، ويعرفون أن النجاح الذي يحققه الآخرون يتطلب جهدا وكفاءة ورؤية لا يمتلكونها.
ولذلك بدلا من تطوير أنفسهم أو السعي لاكتساب المهارات اللازمة، يختارون الطريق الأسهل المتمثل بتعطيل الناجحين، فالفشل بالنسبة إليهم ليس مأساة إذا كان الجميع فاشلين، أما نجاح الآخرين فهو المرآة التي تكشف ضعفهم وعجزهم.
لهذا السبب نجدهم يحاربون الأفكار الجديدة، ويشككون في المبادرات الواعدة، ويقللون من قيمة الإنجازات مهما كانت واضحة، وإذا ظهر شخص متميز داخل المؤسسة، فإنهم لا ينظرون إليه بوصفه فرصة للنهوض الجماعي، بقدر ما يرونه تهديدا مباشرا لمكانتهم الهشة، فيبدأ مسلسل التشويه والتقليل والإقصاء.
ومن أخطر ما يميز هذه الشخصيات أنها تتقن استخدام لغة المصلحة العامة لإخفاء دوافعها الخاصة، فقد يعارض أحدهم مشروعا ناجحا بحجة الحرص على الموارد، أو يهاجم موظفا مبدعا تحت شعار الحفاظ على النظام، أو يعطل قرارا مهما بدعوى الحاجة إلى مزيد من الدراسة، وفي الظاهر تبدو مبرراته منطقية، لكن الحقيقة الكامنة خلفها هي الخوف من أن ينجح الآخرون ويبرزوا.
ولعل المؤلم أكثر أن هذه العقليات علاوة على دورها في إفشال المشاريع، تسعى إلى نشر ثقافة سلبية داخل بيئة العمل، ثقافة تقوم على الخوف بدل الثقة وعلى الولاءات الشخصية بدل الكفاءة، وعلى إقصاء المتميزين بدل الاحتفاء بهم، ومع مرور الوقت تتحول المؤسسة إلى مكان ينجو فيه أصحاب العلاقات، بينما يغادره أصحاب القدرات، وعندها يبدأ التراجع الحقيقي مهما كانت الموارد والإمكانات المتاحة.
والتاريخ الإداري مليء بالأمثلة التي تؤكد أن المؤسسات الناجحة هي تلك التي تمكنت من حماية الكفاءات وتشجيع المبادرات ومنع أصحاب المصالح الضيقة من التحكم بمسارات القرار، فالنجاح عادة يتحقق بوجود الخطط والاستراتيجيات، الى جانب السماح للأفكار الجيدة بأن ترى النور، وتحمي أصحابها من حملات الإحباط والتشويه.
وهنا لابد من التفريق بين العقلية البناءة والعقلية الهدامة يكمن في نظرتها إلى نجاح الآخرين، فالشخص الواثق من نفسه يرى في نجاح زميله مصدر إلهام وفرصة للتعلم، بينما يرى فيه صاحب النفس الضيقة تهديدا يجب القضاء عليه، الأول يؤمن بأن النجاح يتسع للجميع، أما الثاني فيعتقد أن المكاسب محدودة، وأن أي تقدم يحققه الآخرون ينتقص من حصته الشخصية.
ولهذا فإن أخطر معركة تخوضها أي هي معركة الحفاظ على ثقافة الإنصاف والكفاءة، فعندما يصبح القرار رهينة للأهواء الشخصية، وعندما يُكافأ المعرقل ويُحارب المبدع، فإن الانحدار يصبح مسألة وقت لا أكثر.
تبقى المؤسسات القوية هي التي تدرك أن أعداء النجاح يمكن ان يجلسون على المكاتب نفسها ويرددون الشعارات ذاتها، هؤلاء يكتفون بمحاولة هدم ما لا يستطيعون امتلاكه، غير أن الحقيقة التي أثبتتها التجارب مرارا هي أن البناء قد يتعثر، لكنه يبقى أقوى من الهدم، وأن أصحاب الرؤية والإبداع يتركون أثرهم مهما تعرضوا للمقاومة.



اضف تعليق