بدل أن يكون الذكاء الاصطناعي عاملاً مساعداً للبحث والتأكد من المعلومات، أصبح هو المعلومات كلها وهو الشكل والمضمون والمحتويات المنقولة بالكامل؛ الأمر الذي يتطلب إعلان حالة طوارئ ووضع نقاط تفتيش ومراكز شرطة رقمية في البوابات الرئيسية لمنع تسلل الكتابة المصطنعة وصعود جيل من الكتاب الوهميين...
حين نتحدث عن هواة النشر الذين يستعينون بصديق يدعى الذكاء الاصطناعي استعانة تامة بالكتابة المنقولة المكشوفة المصدر، فيجب أن يتحسس الكثيرون رؤسهم في هذا الزمان الذي اصبحت فيه الكتابة الابداعية هي العالم المخترق والميدان المستباح والسهل غير الممتنع، وصار الحديث عن الأمانة الأدبية "شيء من التاريخ" وسمة من سمات ومخلفات عصر مضى وانقضى، ومفردات السرقة الفكرية والتزوير والخداع استعيض عنها بمفردات معاصرة كانت تسمى شطارة وصارت تسمى ذكاءً لكنه اصطناعي يغني عن التأمل المرهق والتفكير العميق ويقدم بلمح البصر كل شيء بلا جهد ولا ثمن ولا حياء.
والضحية الأبرز هي الكتابة والكتاب وشارعه الذي يرتاده الاصطناعيون والحقيقيون معاً حتى أضحى مكاناً لالتقاط الصور في مثوى الكتاب الأخير ومتجره الذي يبخسه حقه وقيمته ويمرغ كرامته بالتراب الذي يعرض عليه.
لكن الكتاب لم يستسلم بعد وما يزال يرفع شعار المقاومة المكلف في هذا الزمان من أجل البقاء على قيد الحياة وبقيت مكائن المطابع تدور وإن على استحياء وبإيقاع بطيء دورتها المثقلة بالهموم والحائرة والمصدومة بالحقيقة المرة والواقع الجديد وبمرارة اللاجدوى الاقتصادية كما يقول باعة الكتب، والسوق القديم خفتت به الاصوات إلا من غمغمات العابرين.
وليس تجنياً ولا قسوة فقد صار الباعة في سوق الكتاب فرجة مسلية للناظرين من العوائل التي تصطحب اطفالها ليروا بالعين المجردة كيف لا يباع الكتاب في سوق الكتاب بينما تزدهر المهن التي تعيش على هامش الكتاب وبركاته، وكيف يرزق الله باعة التين ومطاعم الشاورما من حيث لايحتسبون ويتجمهر الرواد حول باعة الشاي على هامش الكتاب المهمش لأسباب عديدة.
وبدل ان يكون الذكاء الاصطناعي عاملاً مساعداً للبحث والتأكد من المعلومات أصبح هو المعلومات كلها وهو الشكل والمضمون والمحتويات المنقولة بالكامل الى حد التنسيق والتنقيط والفوارز. ورحم الله محرك البحث (گوگل) الذي يعيش هذه الأيام في أرذل العمر وبات يخلي مكانه ويطرد زواره تدريجياً فيما يشبه الاتفاق والاستلام والتسليم والتداول السلمي للسلطة بينه وبين الذكاء الاصطناعي، حتى بتنا نشعر أن شيئا ما يحدث ويدبر بليل لمفاجآت مستقبلية يصدمنا بها الذكاء الاصطناعي ولا يمكن تخيلها في امكانية إلغاء مهن كثيرة وإرباكها وتغلغل الشك فيها وفي مقدمتها الكتابة.
الأمر الذي يتطلب إعلان حالة طوارئ ووضع نقاط تفتيش ومراكز شرطة رقمية في البوابات الرئيسية لمنع تسلل الكتابة المصطنعة وصعود جيل من الكتاب الوهميين المبدعين بالغش واستخدام البراشيم الاصطناعية.



اضف تعليق