تتطلبُ مرحلةُ ما بعدَ الحربِ في الشرقِ الأوسطِ صياغةَ نظامِ أمنٍ إقليميٍّ شاملٍ يتجاوزُ سياسةَ الأحلافِ الصلبةِ والاستقطاباتِ الهوياتيةِ. إنَّ تحويلَ التنافسِ إلى تفاعلٍ منضبطٍ عبرَ إطارٍ مؤسسيٍّ يستلهمُ تجربةَ هلسنكي، يمنحُ العراقَ دوراً كفاعِلٍ يُنتجُ التوازنَ ويفتحُ آفاقاً للتنميةِ الاقتصاديةِ، ويحولُ سلوكَ القوى الإقليميةِ من منطقِ الوكالةِ إلى منطقِ الشراكةِ...
الحرب الجارية الآن بين إيران وحلفائها وبين أمريكا والكيان الصهيوني ستنتهي، عاجلاً أم آجلاً، في غضون أسابيع أو أشهر، لكن الأهم ليس لحظة توقفها، بل ما سيليها من ترتيبات ما بعد الحرب، والدروس الأمنية والاستراتيجية التي ينبغي أن تستخلص منها. في لحظةٍ إقليمية مشحونة بإرثٍ ثقيل من الحروب وسوء الفهم، تبدو الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالتفاعلات التي أعقبت التوترات بين إيران ودول الخليج لم تنتج فقط استقطابات سياسية حادة بل عمّقت أيضاً الانقسامات الهوياتية بين ما يُسمّى بمحور “شيعي” وآخر “سنّي”، وهي ثنائية تبسيطية تختزل تعقيدات الجغرافيا السياسية وتُغفل المصالح المتشابكة للدول.
غير أن اللافت اليوم هو بروز خطابٍ خليجي مزدوج، يجمع بين القلق والانفتاح في آنٍ واحد. فقد أشار جاسم محمد البديوي، الأمين العام لـمجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى أن دول المجلس تتطلع إلى إقامة علاقات طبيعية مع إيران، وهو تصريح يعكس إدراكاً متزايداً بأن القطيعة لم تعد خياراً مستداماً. في المقابل، عبّر شاهين علي المرر، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، عن موقف أكثر تشاؤماً حين أشار إلى أن التعايش مع إيران أصبح بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل استمرار عوامل عدم الثقة. وفي سياق موازٍ، أكد ماجد الأنصاري المتحدث باسم الخارجية القطرية، أن إيران ستبقى جاراً جغرافياً لا يمكن تغييره، وأن التعايش معها يظل خياراً لا مفر منه.
هذا التباين في المواقف لا يُضعف فكرة النظام الأمني الإقليمي، بل يؤكد ضرورتها. إذ لا يمكن إدارة هذه التناقضات عبر سياسات ثنائية أو تحالفات ظرفية، بل من خلال إطار مؤسسي جامع يُحوّل التنافس إلى تفاعل منضبط. وهنا يبرز مجدداً مقترح إقامة نظام أمن إقليمي شامل، يمكن أن تتبناه الدبلوماسية العراقية كمبادرة كبرى لتجاوز الحساسيات الجيوسياسية، وإعادة صياغة العلاقات بين دول المنطقة على أسس جديدة. إن الفكرة لا تقوم على إعادة إنتاج محاور تقليدية، بل على تفكيكها عبر إدماج القوى المتنافسة ضمن إطار مؤسسي جامع، يستلهم تجربة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي نشأت في ذروة الحرب الباردة. فقد اجتمعت في مؤتمر هلسنكي عام 1975 دول من معسكرات أيديولوجية متناقضة – من الولايات المتحدة إلى الاتحاد السوفيتي – لتؤسس لمنصة حوار دائم تُعنى بتخفيف التوترات، وبناء الثقة، ومنع سوء التقدير.
إن استنساخ هذا النموذج في الشرق الأوسط لا يعني نقله حرفياً، بل تكييفه مع خصوصيات المنطقة. فالنظام المقترح ينبغي أن يضم دول الخليج إلى جانب العراق، وإيران، وتركيا، وباكستان، مع إمكانية انضمام دول مثل سوريا ومصر والأردن واليمن لاحقاً، بل وحتى إدماج قوى آسيوية صاعدة كالهند لتوسيع مظلة التوازن. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الطروحات التي يروج لها بنيامين نتنياهو، والتي تقوم على تشكيل ترتيبات إقليمية تضم بعض الدول العربية إلى جانب الهند في مواجهة إيران. مثل هذه المقاربات، وإن بدت مغرية لبعض الأطراف القلقة، فإنها تُعيد إنتاج منطق الأحلاف الصلبة، وتُكرّس الاستقطاب بدل أن تُعالجه. إن الاندفاع نحو تعميق التحالفات مع إسرائيل، كما هو الحال في السياسة الإماراتية، لا يوفر بالضرورة أمناً كاملاً، ولا ينجح في كبح مصادر عدم الاستقرار البنيوية في المنطقة. فالأمن لا يُبنى عبر اصطفافات حادة، بل عبر شبكات توازن مرنة تُراعي مصالح جميع الأطراف، بما فيها الخصوم.
بالنسبة للعراق، فإن هذا المقترح يُمثل مخرجاً من مأزق العزلة النسبية التي تفاقمت بفعل التوترات الإقليمية، والاتهامات المتكررة بعدم قدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم. إن إدماج العراق في منظومة أمنية إقليمية، يُعيد له هامش المبادرة، ويُحصّنه من محاولات الاستقطاب الخارجي التي تستهدف قواه الداخلية. كما أن هذا الإطار يُسهم في معالجة أحد أبرز مبررات السياسات الإيرانية في المنطقة، والمتمثل في البحث عن “عمق دفاعي” عبر شبكات الحلفاء. فحين تصبح إيران جزءاً من منظومة أمن جماعي، تتراجع الحاجة إلى هذه الأدوات، ويتحول السلوك من منطق الوكالة إلى منطق الشراكة، وهو ما يتقاطع مع الطروحات التي قدمها محمد جواد ظريف في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية (3 نيسان) بشأن إمكانية بناء تفاهمات أوسع، بما في ذلك توقيع معاهدة عدم اعتداء مع الولايات المتحدة، مقابل فتح مضيق هرمز وإلغاء جميع العقوبات على إيران وتقييد البرنامج النووي الإيراني.
اقتصادياً، يفتح هذا النظام الباب أمام إعادة توجيه الموارد من الصراع إلى التنمية، ويُعزز فرص التعاون في مجالات الطاقة والنقل. وبالنسبة إلى العراق، فإنه يوفر مظلة إقليمية داعمة لمشاريعه الكبرى، وفي مقدمتها “طريق التنمية”، وخطوط نقل النفط والغاز نحو أوروبا والبحر المتوسط. أما على المستوى الأمني، فإن إدماج دول مثل سوريا ضمن هذا الإطار يُسهم في تهدئة الهواجس، ويُعيد صياغة العلاقة بين بغداد ودمشق على أسس اقتصادية-أمنية، بدل أن تبقى رهينة الاعتبارات العسكرية الضيقة. كما أن انخراط إيران في هذا النظام من شأنه أن يُخفف من حدة الخطاب المتشدد لدى بعض الفصائل، إذ تنتفي مبررات التصعيد في ظل وجود مظلة أمن جماعي.
ولا يقل أهمية عن ذلك، البعد الاستراتيجي المتعلق بإعادة التوازن في مواجهة المشاريع الإقليمية المنافسة. فبدل أن تُترك المنطقة عرضة لإعادة تشكيل وفق رؤى أحادية كما يسعى نتنياهو، فإن بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة يُعزز من قدرة دول المنطقة على صياغة مستقبلها، ويحدّ – ولو مؤقتاً – من قدرة إسرائيل على استثمار تناقضات الإقليم. إن إضافة قوى صاعدة مثل الهند إلى هذه المنظومة قد يُسهم أيضاً في تبديد مخاوفها، ويدفعها نحو الانخراط في توازنات متعددة الأطراف بدل الانجذاب إلى تحالفات ذات طابع ديني (هندوسي يهودي).
في المحصلة، لا يُمثل هذا المقترح مجرد مبادرة نظرية، بل رؤية استراتيجية لإعادة هندسة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط. وهو، قبل كل شيء، دعوة للعراق كي يستعيد دوره التاريخي كجسر بين المتناقضات، لا كضحية لها؛ وكفاعل يُنتج التوازن، لا كساحة يُعاد فيها إنتاج الصراع. إنها دعوة لوزارة الخارجية ودوائر صنع القرار لتعبئة الجهود والشروع بحوارات داخلية وخارجية لبلورة المشروع.



اضف تعليق