إن الدعوى أداة لحماية الحق والمطالبة به أمام القضاء، والحق مصلحة يحميها القانون، ومن شروط قبول الدعوى المصلحة، ونرى أن مصلحة المدعية في دعواها منعدمة كونها غير ممكنة لاستحالتها قانونياً ذلك أن المصلحة الجديرة بالحماية هي التي تستند إلى حق أو مركز قانوني، والمدعية في دعواها تطالب بحصتها من النفط والغاز...
في قضية تتلخص وقائعها قيام المدعية برفع دعوى قضائية أمام محكمة بداءة بغداد الجديدة ضد وزير النفط (إضافة لوظيفته) للمطالبة بحصتها من الإيرادات النفطية ومنذ عام 1965 ولغاية تاريخ إقامة الدعوى، ناعية عليه غصب المدعى عليه إضافة لوظيفته لحصتها من النفط خلافاً لنص المادة (1) من قانون النفط والغاز العراقي لسنة 2007 التي نصت على أن (إن ملكية النفط والغاز تعود لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات) ومستندة في ذلك إلى نصوص المواد (111 و59/ثانياً و30/ أولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، وقرارات المحكمة الاتحادية العليا رقم (59/اتحادية/2012 وموحدتها 110/اتحادية 2019)، وقد ردت محكمة البداءة المختصة الدعوى وأيدت محكمة الاستئناف المختصة الحكم البدائي، لذا بادرت المدعية للطعن أمام محكمة التمييز الاتحادية وقد قررت المحكمة المذكورة بموجب قرارها الصادر بتاريخ 7/5/2025 بأن الدعوى فاقدة لسندها القانوني وحرية بالرد وقررت تصديق الحكم الاستئنافي ورد اللائحة التمييزية.
حيث جاء في حيثيات القرار المذكور (.... عند عطف النظر على الحكم المميز تبين أنه صحيح وموافق لأحكام القانون، ذلك أن المميزة استندت في مطالبتها بحصتها من واردات النفط العراقي إلى النصوص الواردة في الدستور وقانون النفط والغاز والتي ذكرتها في عريضة دعواها وإذ إن النصوص المذكورة أشارت إلى النفط والثروات الطبيعية ملك للشعب العراقي إلا أنها لم تتضمن أي نص يجيز للأفراد التصرف بإيراداتها لأن الدولة تقوم بذلك بواسطة مؤسساتها القائمة على إدارة تلك الثروات وإن عائدية هذه الإيرادات تدخل ضمن ميزانية الدولة وتحدد آلية صرفها وفق قانون الموازنة العامة الاتحادية الأمر الذي يجعل دعواها والحالة هذه فاقدة لسندها القانوني وحرية بالرد وهذا ما انتهى إليه الحكم المميز لذا قرر تصديقه ورد اللائحة التمييزية وأسبابها وتحميل المميزة رسوم التمييز......)، ولنا على القرار المذكور التعليق الآتي:
مشروع قانون
إن قانون النفط والغاز رقم (1) لسنة 2007 الذي أشارت إليه المدعية في عريضة دعواها، هو مشروع قانون لم يرَ النور وبالتالي لا يجوز الاستناد لمشروع قانون لحماية حق موضوعي طالما لم يشرع هذا القانون وفق الطريقة التي نص عليها الدستور، ويرجع سبب عدم تشريعه إلى اعتراض الإقليم على مسودة القانون من جانب، ومن جانب آخر توجه وزارة النفط لإبرام عقود التراخيص التي أعطت امتيازات نفطية لشركات أمريكية وبقي موضوع إصدار تشريع يتعلق باستثمار وإدارة النفط والغاز وبقية الثروات المعدنية طي النسيان.
وبسبب الخلافات بين المركز والإقليم حول إدارة النفط والغاز والإيرادات المتحصلة عن بيع النفط أقدمت السلطة التشريعية في إقليم كردستان في حينها على إصدار قانون النفط والغاز لإقليم كردستان رقم (22) لسنة 2007 والذي يهدف إلى إدارة واستثمار النفط والغاز في إقليم كردستان، وقد أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في الدعوى (59/ اتحادية /2022) وموحدتها (110/اتحادية / 2019) بتاريخ 15 /2 /2022 قراراً يقضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز لحكومة إقليم كردستان رقم (22) لسنة 2007 وإلغائه لمخالفته أحكام المواد (110 و111 و112 و115 و121/أولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 مع عدة فقرات حكمية ملزمة يتوجب على وزارة النفط الاتحادية وسلطات الإقليم اتباعها تنفيذاً لهذا القرار، مع توجيه المدعي العام (إضافة لوظيفته) بمتابعة بطلان التعاقدات النفطية التي أبرمتها حكومة الإقليم.
مما تقدم نلاحظ أن المدعية استندت في دعواها إلى مشروع قانون لم يصدر، وقانون آخر غير اتحادي يخص الإقليم تم إلغاؤه بقرار من المحكمة الاتحادية العليا، ولم تتطرق محكمة التمييز الموقرة إلى هذا التفصيل واكتفت بالإشارة في قرارها إلى كون دعوى المدعية فاقدة لسندها القانوني. استندت المدعية في دعواها إلى نص المادة (111) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والتي نصت على أن (النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات)، ومن استقراء النص المذكور نلاحظ أنه أشار إلى النفط والغاز كثروة معدنية فقط وأغفل الإشارة إلى الأنواع الأخرى من الثروات كالفوسفات والزئبق وغيرها من المعادن النفيسة الموجودة في باطن إقليم الدولة العراقية.
فضلاً عن ذلك أنه أشار إلى كون هذين العنصرين ملكاً للشعب العراقي بطريقة مجازية كإشارة إلى أن عوائد هذين العنصرين يجب أن تخصص لكل أبناء الشعب العراقي دون تمييز، وبالرجوع إلى المادة (112) من الدستور نجد أنها قد حددت طريقة وجهة إدارة هذه الموارد من خلال الحكومة الاتحادية وبالتنسيق مع الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، ووضع النص قيوداً موضوعية تتمثل بمبدأ التناسب في توزيع الواردات مع التوزيع السكاني، مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة، ومبدأ تحقيق التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة في البلاد وألزمت المشرع تنظيم ذلك بقانون، إلا أن السلطة التشريعية أخفقت بسبب التجاذبات والمصالح السياسية في تشريع قانون للنفط والغاز، مما جعل النص المذكور معطلاً لعدم صدور قانون يفعل وينظم عملية الإدارة ورسم السياسات الخاصة بالاستخراج والتوزيع والبيع وغيرها من العمليات، وانتهى المطاف بعقود التراخيص النفطية التي تذكرنا بالامتيازات النفطية للشركات الأجنبية التي تستثمر الثروات النفطية مقابل نسب تدفع للحكومة العراقية.
أعلى منفعة
إن المادة (112) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 ألزمت إدارة هذه الثروات واستثمارها بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي، وهذه إشارة إلى أن هذه الثروات من الأموال العامة للدولة، طالما أنها خصصت لتحقيق المنفعة العامة، ولا تعد من الأموال المباحة التي يجوز حيازتها أو الانتفاع بها، وهذه الأموال محمية بموجب القانون فلا يجوز التصرف بها أو الحجز عليها أو تملكها بالتقادم استناداً للمادة (71) من القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 المعدل، فضلاً عن الحماية الدستورية المقررة بموجب المادة (27) من الدستور.
إن الدعوى أداة لحماية الحق والمطالبة به أمام القضاء، والحق مصلحة يحميها القانون، ومن شروط قبول الدعوى المصلحة، ونرى أن مصلحة المدعية في دعواها منعدمة كونها غير ممكنة لاستحالتها قانونياً ذلك أن المصلحة الجديرة بالحماية هي التي تستند إلى حق أو مركز قانوني، والمدعية في دعواها تطالب بحصتها من النفط والغاز باعتبارها أحد أبناء الشعب العراقي إلا أن هذه المطالبة جاءت خلافاً للدستور كون هذه الثروات تعد أموالاً عامة لا يمكن تملكها أو الحجز عليها كونها مخصصة للنفع العام وتتولى المرافق النفطية إدارتها واستثمارها بموجب قوانين تصدر لتنظم ذلك، وللأسف لم تصدر هذه القوانين رغم مرور أكثر من عشرين سنة على صدور دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
خلاصة ما تقدم أن قرار محكمة التمييز الاتحادية صحيح من حيث النتيجة، إلا أننا كنا نحتاج إلى تسبيب مفصل يحيط بالجوانب التي تطرقنا إليها… والله ولي التوفيق.



اضف تعليق