لعل أبرز سمة تميز المجتمعات التعددية هي تعدد الولاءات السياسية في الدولة، والذي يقوم على أساس اثني او طائفي او قومي.

يتشكل هذا النوع من المجتمعات من مجموعة أقليات مبعثرة، وهو عكس ما يعرف بالمجتمع الوطني الواحد، فهو مجتمع مكون من عدة طوائف تتعايش في إطار سياسي واحد ولم تحصل بينها بعد عملية انصهار فعلي. كما يذهب الى ذلك عصام سليمان في كتابه (الفدرالية والمجتمعات التعددية ولبنان).

وهي الصورة التي وجد العراق نفسه عليها بعد العام 2003 وبروز ما أطلق عليه تسمية المكونات. من هنا فان المشكلة الحقيقية في هذه المجتمعات هي مشكلة تحقيق الانصهار المجتمعي وقيام السلطة السياسية الفاعلة، والتي لم يرتق اليها العراق حتى الان، حيث أدت الخصوصيات المتراكمة الى تنمية شخصية الطائفة وبالتالي قاد ذلك الى مقاومة عملية ذوبانها في ما اريد له ان يكون اطارا وطنيا شاملا، أي في مجتمع سياسي أوسع منها ومن كل طروحاتها وبرامجها الاقلوية.

غالبا ماتعاني هذه المجتمعات من مشكلة التعايش بين المجموعات او الطوائف التي تكوّن البنية المجتمعية، حيث تزداد المشاكل حدة بقدر ما تتمسك الجماعة بخصوصياتها مما يحول دون انصهارها في مجتمع وطني موحد..

كما ان اختلال التوازن السكاني بين الجماعات قد يؤدي الى هيمنة عددية لجماعة على الجماعات الأخرى وان ما يعرقل نمو العلاقات المجتمعية في اغلب الأحيان هو العصبية الطائفية والتعاضد الطائفي بين افراد الطوائف المختلفة، حيث يجد الفرد نفسه محاطا بشبكة من العلاقات الطائفية تمنعه من المشاركة في الحياة السياسية الا من خلال طائفته.

وهذا ما يؤدي بالتالي الى غلبة التماسك المجتمعي الطائفي على التماسك المجتمعي الوطني. بالرغم من نمو وتطور العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المتبادلة بين مختلف افراد الطوائف في المجتمع الواحد والمصالح المشتركة التي تجمع فيما بينهم. فكل طائفة تمتلك سلطة سياسية او كيان خاص بها (المجالس الملّية والطائفية والشرعية) يعبر عن شخصيتها وخصوصيتها. بينما المطلوب ان يعبّر المجتمع المتعدد نفسه عن سلطة سياسية واحدة ناتجة عن ارادة العيش المشترك.

ماهي الخصائص العامة للمجتمعات التعددية؟

1 – المجتمع التعددي هو مجتمع غير منصهر بسبب بنيته المجتمعية.

2 – هو مكون ليس فقط من افراد انما من جماعات منظمة جدا، لها خصوصياتها وشخصيتها التي تميزها عن بعضها البعض، فالمجتمع التعددي هو مجتمع غير متجانس.

3 – تشكل الطائفة في المجتمع التعددي جسما وسيطا بين السلطة السياسية والفرد. وهذا الأخير لا يستطيع المشاركة في الحياة السياسية الا عبر طائفته.

4 – تتوزع السلطة السياسية في المجتمع التعددي بين الطوائف والدولة. (المجتمعات المتعددة، الأقليات واشكالية التعايش/الدكتور حسين عبيد).

ماذا عن الديمقراطية التوافقية كصيغة حكم في مثل هذه المجتمعات؟

يعرف جرهارد ليمبروخ الديمقراطية التوافقية بانها استراتيجية في إدارة النزاعات من خلال التعاون والوفاق بين مختلف النخب بدلا من التنافس..

اذا ثمة مجتمع تعددي منقسم قطاعيا (دينيا – أيديولوجيا – لغويا – إقليميا - ثقافيا – عرقيا – اثنيا). وصيغة لوئام سياسي توفر الاستقرار عبر صيانة النظام واضفاء الشرعية وإعطاء الفعالية في اطار مدني.

ولا تنفع اية محاولة للاستعاضة عن الولاءات القطاعية بالولاءات للامة، وذلك لان الولاءات الأولية لما كانت شديدة الصلابة، فمن المستبعد ان تنجح أي محاولة لاستئصالها، لا بل من شأن محاولة كهذه ان تؤدي الى نتائج عكسية بحيث تنشط التماسك القطاعي الداخلي وبالتالي العنف بين القطاعات بدلا من الغاية المرجوة وهي التماسك الوطني.

ويخلص ليبهارت بعد هذا الى ان البديل التوافقي هو الذي يبدد الخطر ويقدم طريقة واعدة لتحقيق الديمقراطية المقرونة بقدر كبير من الوحدة السياسية..

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1