من الطبيعي ان يتبوأ الاعلام المرئي مهمة النقل السريع للمعلومة وحتى الفكرة في زمن تتلاحق فيها الاحداث على اكثر من صعيد، وتتموج فيها الافكار والتوجهات وتتقاطع فيها المصالح، ثم يكون الانسان داخل بيته وبين مجتمعه الصغير والكبير ضمن اطار الشعب والبلد، على كف عفريت، لا يعرف ما يخبي له الغد من مفاجآت سارة او ضارة. لذا نرى الاقبال والمتابعة على هذا النوع من الاعلام السريع الوصول بفضل انتشار القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الخبرية على النت.

وهذا أمر حَسِن للاعلامي المسؤول، والمؤسسة او المنهج الذي يقف خلفه، لانه يتعامل مع الحقائق أولاً بأول، ويجسّر العلاقة بين الفرد والمجتمع وبين مؤسسات الدولة ورجالاتها. كل  هذا يُسمى بـ "الصحافة السندويجية" او ما يٌعرف بالوجبات السريعة والقليلة التكلفة، والى جانبها صحافة واعلام لا يتعامل مع الاحداث المتغيرة التي تمر على المخاطب مثل نسمات الهواء، إنما يتعامل مع الاحداث في ابعادها الواسعة، في الحاضر والمستقبل، ثم يبحث في الخلفيات والدوافع والاسباب، مدعومة بالأدلة والبراهين. وهذا ما يطلق عليه بـ "الاعلام الموثق"، وهو ما نلاحظه في المقروء من الاعلام، وتحديداً في المجلات الشهرية او الفصلية وحتى الدراساتية.

هذا اللون من الاعلام له اهميته البالغة في صنع الرأي العام وتكوين رؤية للجماهير حول أي قضية او موضوع مثير يهم المجتمع والدولة، وربما يساعد على الوصول الى الحقائق ثم يُصار للمطالبة بالاحسن والافضل، او العمل على الإصلاح وازالة الخلل والانحراف. وهذا بفضل اللغة العلمية والطريقة البحثية في تناول القضايا المطروحة، فهنا نحن نتعامل مع العقول اكثر مما نتعامل مع المشاعر والاحاسيس، فاذا كانت ثمة قدرة على الإثارة والتحفيز، فهو للعقل وليس للمشاعر، وإن كان هذا لا يتعارض في كثير من الاحيان، بيد ان المهمة المطلوبة في عدم التركيز على هذا الجانب كما هو مهمة الاعلام المرأي المحفز دائماً لمشاعر الحب تارةً والكراهية تارة اخرى.

فعندما يكون هنالك قصور في الاداء الحكومي او انحراف في المنهج – مثلاً- او حتى خيانة للامانة بحيث تراق دماء وتنتهك اعراض ويتهدد السلم الاجتماعي، فان المهمة المطلوبة ليست فقط إثارة الشارع العام وخلق حالة من الغضب والاستنكار، إنما مناقشة الاسباب والجذور، بحيث يمكن الاعتماد على الاستنتاجات والمعلومات الواردة، وهنا تحديداً تكمن اهمية التوثيق في الاعلام، واهمية المعلومة الصحيحة لانجاح عملية التوثيق، وهذه العملية التكاملية في محاولة الوصول الى الحقائق هي الكفيلة بحل الكثير من الازمات او التخفيف من وطأة بعضها، لاسيما الاجتماعية منها والسياسية.

لنأت بمثال من واقعنا العراقي، وهو جزء صغير من واقع البلاد الاسلامية، او واقع المسلمين في كل مكان، فالازمة في الايديولوجيا وفي الفكر، خلقت مشاكل ومتاعب جمّة للناس وانعكست بشكل خطير على تفاصيل حياتهم، فبات ما يُعرف بـ "الارهاب" ينغّص عليهم معيشتهم ويهدد حياتهم في كل لحظة، فهل تعالج هذه الازمة من خلال الاثارات الاعلامية المستمرة في القنوات الفضائية او على مواقع الانترنت؟، بل نسأل بما هو أدق؛ هل تحتمل هذه الوسائل الاعلامية خيارات للحل وبدائل تخرج الناس من مستنقع الدم والفتنة الطائفية؟.

إن حادثة مريعة مثل جريمة "سبايكر" التي ذهب فيها عدة آلاف من المدنيين العزّل، ضحية الاحتقان الطائفي، لجديرة بأن يتم تسليط الضوء عليها بشكل علمي – وثائقي، الى جانب نشر الاخبار والصور والمعلومات المتوفرة حول الحادث على مدار الايام، فالكلمة المكتوبة لا تزول مهما كانت الظروف، إنما تبقى شاهدة على الخيانات والجرائم والانحرافات مهما طال الزمن، ثم تكون خير درس وعبرة لئلا تتكرر المآسي والويلات. وإلا لماذا يجب ان تتكرر المجازر والمذابح بحق الشيعة في العراق طيلة السنوات التي تلت الاطاحة بصنم بغداد؟، ما الذي نجده موثقاً اليوم امامنا عن حادثة "جسر الأئمة" و ايضاً حادثة الاعتداء على مرقد الامامين العسكريين؟ طبعاً هذا فضلاً عن جرائم القتل الجماعية التي حصدت الآلاف في انفجار السيارات المفخخة والكمائن الغادرة للجماعات الارهابية بين الحقول وعلى الطرق الخارجية.

ورب سائل يحاجج في جدوائية الاعلام المقروء او الحاجة الى التوثيق، بعدم وجود القراء، او انحسار شريحة القراء في المجتمع الى مستويات دنيا. وللاجابة؛ فان التوثيق ربما يفيد المطالعة للتزود بالمعلومات والكشف عن بعض الحقائق، إلا ان الفائد الاكبر لنا في اعتمادها مصدراً يستند عليه في طرح البدائل والخيارات للحل او لتقويم انحراف ما في الدولة، بل حتى في المجتمع ايضاً.

وللحقيقة نقول: هنالك الكثير الكثير من الحقائق والارقام والمعلومات مخزونة في الصدور تحبسها الآهات والحسرات وشعور عارم بالخيبة والخذلان من المتصدين في الساحة من طبقة الساسة وغيرهم. وربما نسمع بعض ما يرشح من هذا الاب او ذاك الاخ او تلك الأم المفجوعين باولادهم او المطالبين بحقوقهم المشروعة. بيد ان المؤكد وجود الكثير المدفون في الاعماق، وهنا تقع المسؤولية على اهل الفكر والثقافة والكلمة المسؤولية بأن يتبنوا تسكين تلك الآهات وإعادة الثقة و رباطة الجأش الى النفوس ليتسنّى الاستفادة من تلكم الحقائق والمعلومات في تلمّس طريق النجاة وسط كل هذا الظلام المحيط بنا، او على الاقل لوقف نزيف الدم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1