النَّاسُ في فهمِهم وتعاطيهم مع الاختلاف على عدّة انواع؛

الاوّل؛ الذي يرى فيه سببٌ مباشر للتمزّق والتفرّق والتشتّت، ولهذا السّبب تراه يتشاءم من ايِّ اختلاف ينشب في المجتمع، فهو يظنّ ان المؤمنين أمة واحدة من المَلائِكَة لا تختلف ابداً!.

هذا النّوع سلاحهُ الاعتزال في مواجهة الاختلاف!.

الثّاني؛ الذي يرى فيه فرصة للتصيّد من اجل ان يصل الى أهدافهِ الخاصّة والشخصيّة وأحيانا الحزبيّة، فتراهُ يصنع الأزمات ويحرّض عليها ويدفع من اجل تعميقها وتوسيع دائرتها، ويعرقل ايَّ جُهدٍ للحدِّ منها او حلّها، فهو يجد نَفْسَهُ في الأزمات! كما هو حال (القادة الضّرورات) و(الفاشلون).

الثّالث؛ الذي يرى فيه فرصة للتّكامل والتّرشيد والتّنمية، ولذلك يؤسّس نظريّتهُ في التعامل مع الاختلاف على أساس الامر الواقع الذي يجب ان نتفهَّمهُ ونستوعبهُ لنديرهُ على أفضل وجه لتوظيفهِ في عمليّة التّكامل والتّرشيد التي لا تتحقّق الا بالاختلاف المعقول الذي يظلّ تحت السّيطرة ولا يفلت من عقالهِ.

والمشكلة ليست في الاختلافات فهي أَمرٌ طبيعي جُبِلَ عليه الأنسان منذ بدء الخليقة والى يَوْمِ يُبعثون، وأنّما المشكلة في طريقة التّعامل معها لإدارتِها بأَقلّ الخسائر او قُل بأَقلِّ التأثيرات السّلبية الجانبيّة.

العاقل هو الذي يُتقن فنّ ادارة الخلافات، فتراهُ يحوّل كلّ خلافٍ الى مصدرٍ جديدٍ من مصادر القوّة والمنعة، امّا الجاهل فهو الذي تراه يتخبّط في ادارة الاختلافات لدرجة انّهُ يعمل على تضخيمها بما يترك آثاراً سلبيةً جداً على المجتمع من حيث يريد او لا يريد.

لقد رسم الخطاب المرجعي اليوم، على لسان خطيب الجمعة في العتبة الحسينيّة المقدسة، خارطة طريق لإدارة الاختلافات التي بدأت تتحوّل يوماً بعد آخر الى قنابل موقوتة في المجتمع، يحتفظ بها السياسيّون وبعض (العمائم) لوقت الحاجة، وضحيّتها عادة المجتمع.

انّهُ لفتَ الانتباه الى نوعين من الاختلافات، الدينيّة والسياسيّة، الثّانية هي التي اساسها الصّراع على السّلطة والامتيازات وتسجيل الإنجازات، وليس هنا محلّ الحديث عنها.

امّا الاولى، وهي بيت القصيد في هذا المقال، فهي التي يشتعل أُورها في المناسبات بين أبناء المذهب الواحد، خاصّة ايام عاشوراء والاربعين، فتراهم ينشغلونَ بالفتاوى والفتاوى المضادّة بشأن جزئيّة او اكثر من الجزئيّات التي يُمارسها الحسينيّون، اذا بوسائل التّواصل الاجتماعي والقنوات الفضائيّة والمواقع الإليكترونية مشغولة بهذه الاختلافات التي لن تنتهي ابداً منذ ان بدأت، ولذلك ينبغي على العُقلاء والحُكماء في الامّة ان يجدوا حلولاً توفيقية تهدّئ من هذه الاختلافات، تقوم على أساس الوسطية والاعتدال والاستيعاب، كأَن يحتفظ كلّ واحدٍ بوجهة نظرهِ من دون ايّة اثارة سلبيّة ضد الآخرين وكفى الله المؤمنين القتال!.

ولقد أوصى الخطاب المرجعي بِما نصَّهُ للتّخفيف من حدّة الخلافات بمثل مناسبة الأربعين العظيمة، قائلاً [انّ من الامور المهمّة التي ينبغي ان تلتفت اليه أَنظار السّائرين في طريق الامام الحسين (ع) هو ضرورة الاجتناب عمّا يُثير الفُرقة والاختلاف في صفوف المؤمنين، وعدم استغلال هذه المناسبة الحزينة للتّرويج للجهات التي ينتمونَ اليها، دينيَّةً كانت او سياسيّة او غيرهما].

انّها، الوصيّة، حجر الزّاوية في ادارة الاختلاف.

ولا أُجانب الحقيقة او أَظلم أحداً ابداً اذا قلتُ بانَّ مصدر هذا النّوع من الاختلافات والاثارات عادة هي (العمامة) لانّ غيرها لا يجرؤ على الولوج بمثل هذه الخلافات التي تعتمد الدّين والمذهب كأساس، فغير العمامة عادة (عوامٌّ) يقلّدون ويتّبعون ولا يقودون!.

وهناك اختلافات دينيّة من نوعٍ آخر، تديرها كذلك العمامة في أغلب الأحيان وللأسف الشديد، تلك المتعلّقة بالتعدديّة على مستوى التّقليد والمرجعيّة والإفتاء، فعلى الرّغم من انّ هذا النّوع من التّعددية يعتبرها اتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام أحد اهم وابرز مصادر قوّتهم وكذلك من أسرار ديمومتهم واستيعابهم لكلّ التّحدّيات التي مرّوا بها منذ عصر الغيبة ولحدّ الان، الا انّ بعض العمائم تسعى لفرض لونٍ واحدٍ فقط والقضاء على التعدديّة في الاجتهاد والتقليد.

ولا أكشفُ لكم سراً عندما أضع هنا بعض النّقاط على بعضِ الحروف لأتحدّث بصراحةٍ فاقول بأَنَّ بعض العمائم المحسوبة على الجمهورية الاسلامية في ايران هي التي تُثير النّعرات المرجعيّة ليل نهار من أَجْلِ ضربِ هذه المرجعية أو أضعاف الاخرى او تحجيم الثّالثة وهكذا.

انّهم يوظّفون الثّلاثي (السّلطة والمال والاعلام) كأَيّة عمائم أُخرى ترتبط بالسّلطات الحاكمة، لكسب جولاتِهم وتسجيل نقاطهِم وترجيح كفّتهم على غيرهم، ناسين او متناسين انّ هذا الثُّلاثي لم يعد له ذلك الدّور المعهود منه في السابق عندما كان يصنع عمائم ويحطِّم أُخرى.

هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر فانّهم يحاولون بمثل هذه الأثارات (أَزهرة) المرجعيّة الدّينيّة، على غرار مشيخة الأزهر في القاهرة او مشيخة الوهابيّة في نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية، ربما من أَجل توظيفِها في الصّراعات السّياسية العنيفة والعملاقة التي تحتاج الى مصادر قوّة خارقة لا يجدها هؤلاء الا في المرجعيّة الدينيّة!.

انا لا أشكُّ قيدَ أَنمُلة في انّ هؤلاء سيفشلونَ في مساعيهم لانّ التعدديّة والاستقلال صِفتان مُلازمتان للمرجعيّة الدينيّة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام منذ الغَيْبَة وستستمرّ متلازِمتان الى يوم يُبعثون، وهما اللّتان مَيّزتهُما عن بقية المرجعيّات في المدارس الاخرى، لا يمكن لعِمامةٍ مهووسة بعبادةِ العجْلِ تستلم راتبها من الدّولة ان تنجح في مثل هذا المسعى الخائب.

كما انّ طعنها وتشكيكها واتّهامها للمرجعيّة وتقسيم التشيّع الى بريطاني وآخر أميركي وثالث وهابي! لن يترك ايّ أثرٍ وسينهزم أَمام الاصالة التي يتمتع بها التشيع والمرجعيّة على حدٍّ سواء، أَمْ أَنَّهُم نسوا كيف انهزموا عندما اتّهموا الشهيد الصّدر الاوّل بالعمالة للسي آي أي والشهيد الصّدر الثاني بالعمالة لمخابرات نظام الطاغية الذليل صدام حسين ووصفهم للأمام الخميني بانّهُ (حِمارٌ ركِبتهُ الشّيوعية الحَمراءُ) وانّ المرجع الديني الأعلى الامام السّيستاني فرعَون زمانهِ؟ وغيرَ ذلك الكثير الكثير!.

لا أشكُّ في انّهم سينهزمون، ولكن وفي نفس الوقت اتمنّى على القيادة الدّينية في الجمهورية الاسلامية في ايران ان تَعْقِلَ مثل هذه العمائم او تُلجِمها لتُحسن إِدارة الاختلافات بما يقلّل من الآثار السّلبية التي تتركها على الساحة وفي المجتمع الشيعي في كل مكان على وجهِ التّحديد.

فالقيادة التي تمتلك نفساً طويلاً جداً وصبراً كبيراً وصدراً واسعا وكياسةً وحصافةً مكّنها من الاستمرار في التّفاوض مع (الشّيطان الاكبر) مدّة عقدٍ كاملٍ من الزّمن، لتنتزع منه حقوق بلادِها وشعبِها وتحمي مصالحهم على أَحسنِ ما يرام، لا اعتقد انّها ستعجز عن توظيف نفس ذاك النّفس الطّويل والصّبر الكبير والصّدر الواسع لتحسين عمليّة ادارة الاختلافات الشّيعية الشّيعية بما يقلّل من الأزمات التي تعصف اليوم بالوسطِ الشّيعي.

اتمنّى على كلّ القيادات الدّينية، مرجعيّات، رُموز، خُطباء وغيرهم، ان يحذوا حذو الخطاب المرجعي الذي أثبت في كلِّ مرَّة حكمة منقطعة النّظير في التّعامل مع الاختلافات والازمات وإدارتها على اكملِ وجهٍ، بما أنقذ العراق والمجتمع الشّيعي بشكلٍ عام من مهالك جمّة كادت ان تأتي عليه في كلِّ مرّةٍ تمرُّ عليه مثل هذه الأزمات.

نحن اليوم لسنا بحاجةٍ الى العلم وانّما الى الحِكمة، فحَمَلَةُ العلمِ كثيرون الا انَّ الحُكماء قليلونَ جداً، والازمات لا يُديرها العلماء وانّما الحُكماء!.

أيّها الحُكماء؛ أُلجُموا (عمائمَ الفتنةِ) من كلّ الأطراف!.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0