للشباب حق في العمل والفرص المتكافئة والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولا يعد العمل مجرد حاجة اقتصادية لتامين متطلبات الحياة فحسب بل هو مشروع حياة بالنسبة الى الشاب او الشابة، فالعمل مصدر ثقة بالنفس وبناء الشخصية ويجعل من الشباب في الوقت ذاته أكثر اندماج في المجتمع.

ويبدو، بدلالة مؤشرات التشغيل والبطالة في العراق، ان تفاعل السياسات المعتمدة مع اوضاع المرحلة الانتقالية لم تنجح في ضمان هذا الحق او تحقيق الموائمة المثلى بين حق الانسان في التعليم وحقه في فرص العمل.

ويعزى ارتفاع معدلات البطالة، لاسيما بطالة الشباب، الى وجود عدد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والامنية التي تواجه البلد بشكل عام وتؤدي الى تضخيم اعداد البطالة. لعل من اهم هذه التحديات تشنج الوضع السياسي في البلد وتدهور الوضع الامني وتسارع معدلات نمو القوة العاملة، وتراجع النمو الاقتصادي في الآونة الاخيرة، بالإضافة الى تحديات اخرى تتعلق بالحاجة الى زيادة مستويات مساهمة القطاع الخاص في توفير فرص العمل، وتحقيق التوافق المطلوب بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.

ورغم كل هذه التحديات، تشهد سوق العمل في العراق غيابا واضحا للآليات والبرامج المتضمنة في سياسات التشغيل المفترض توفرها لاستيعاب الاعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل، ولم تكن جهود سياسات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والمؤسسات الحكومية المعنية بمكافحة البطالة بالمستوى الذي يوازي حجم مشكلة البطالة في عموم محافظات العراق.

ويمكن ابراز مجموعة من العناصر التي اسهمت في تفاقم اعداد الباحثين عن العمل:

1- الانفصام القائم بين مخرجات وزارة التعليم العالي ومدخلات سوق العمل، والاخفاق في تبني سياسات التعشيق بين الجامعات العراقية والشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة.

2- غياب قاعدة بيانات يعتد بها لحجم القوى العاملة واعداد العاطلين عن العمل ومتطلبات سوق العمل العراقية بسبب تخلف وزارة التخطيط ووزارة العمل عن اجراء المسوحات والدراسات اللازمة.

3- لم تفلح سياسات تدريب وتأهيل الايدي العاملة، والمعتمدة من لدن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في تحقيق غاياتها، بسبب ابتعاد هذه البرامج عن المتطلبات الحقيقة لسوق العمل العراقية.

4- اخفقت شبكة الحماية الاجتماعية في تحقيق الاهداف المرجوة لعدة اسباب اهمها تفشي الفساد في عمل هذه المؤسسة وصرف مليارات الدنانير لأشخاص يمارسون العمل فعلا ومعظمهم يعملون في القطاع الحكومي، فضلا على تشجيع مستلمي هذه الاعانات على الاتكال وفقدان الحافز على ايجاد فرصة عمل.

5- تركيز المؤسسات الحكومية المعنية بمعالجة مشكلة البطالة على جاني العرض (الباحثين عن العمل) وعدم الاهتمام بجانب الطلب على الايدي العاملة (القطاع الخاص) والذي يعد الحل الناجع لمشكلة البطالة في العراق، عبر منح قروض للقطاع الخاص واجراء تخفيضات ضريبية والتعهد بشراء المنتج مقابل استيعاب الايدي العاملة وحماية المنتج المحلي من المنافسة فضلا على توفير بيئة اعمال محفزة وجاذبة للاستثمار الاجنبي.

6- عزوف عدد كبير من الشباب والخريجين عن الاشتغال في ميادين العمل في القطاع الخاص لاعتبارات الاستدامة والمزايا التي يوفرها العمل في القطاع الحكومي.

ان استيعاب الاعداد المتزايدة من الشباب والخريجين الباحثين عن العمل يشكل محور رئيس في سياسات الاصلاح الاقتصادي، ليس فقط لما للبطالة من اثار اقتصادية واجتماعية خطيرة، وانما ايضا للحد من انخراط عدد كبير من الشباب في حواضن الجريمة والارهاب. وفي هذا السياق يمكن ابراز عدد من السياسات القادرة على امتصاص الاعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل بشكل تدريجي، اهمها (1):

1- تبني برامج متقدمة للتدريب والتأهيل تساهم في تمكين قوة العمل العراقية ورفع مستوى مهارتها بحيث تكون هذه البرامج متجانسة ومتناغمة مع متطلبات سوق العمل العراقي بما يعزز بالنتيجة من ارتفاع معدل المشاركة في النشاط الاقتصادي.

2- اختيار ودعم القطاعات التي تستوعب أعدادا كبيرة من قوة العمل اي استخدام أسلوب الإنتاج كثيف العمل خفيف رأس المال كقطاع البناء والإنشاءات وقطاع الخدمات والذي سيساهم مساهمة فعالة في معالجة الوتيرة العالية لمعدلات البطالة.

3- تبني سياسات زراعية متطورة تجعل من تنمية الريف من أولويات أهدافها ولتكون عامل جذب وتوطين لقوة العمل المهاجرة وعامل تصحيح لتشوه قطاعي يتمثل بتضخم القطاعات غير السلعية ويمكن ان يكون للقطاع الخاص دوراً في تحقيق هذا الهدف من خلال حفزه على الاستثمار في الريف وتطوير الثروات الحيوانية وعلى الدولة ان تقدم نظاماً متكاملا للحوافز الزراعية من اجل تشجيع المستثمرين والمزارعين على استقدام التكنولوجيا الحديثة والبذور المحسنة دعماً للإنتاج والدخل الزراعيين.

4- تعزيز ودعم القطاع الخاص في العراق عبر توفير حزمة من الممكنات وتيسير كوابح الانطلاق، لما يتمتع به من قدرة على استيعاب اعداد هائلة من الايدي العاملة ومن مختلف التخصصات والاعمار، والعمل على انشاء صندوق معاشات (تقاعد) مرتبط بالقطاع الخاص من خلال قانون يشرع في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

5- سن القوانين والتشريعات اللازمة لإنجاح عمل وكالات التوظيف في العراق ودعمها لتسهم في تدريب وتشغيل الايدي العاملة وتكون حلقة الوصل بين فرص العمل المتاحة والباحثين عنها.

6- توفير قاعدة بيانات متكاملة حول هيكل وطبيعة الايدي العاملة العاطلة في العراق لتكون الاساس في اعداد البحوث والدراسات الخاصة بالبطالة للخروج بنتائج ناجعة تسهم في توجيه صانع القرار في القضاء على معضلة البطالة في العراق.

(1) وزارة التخطيط، خطة التنمية الوطنية للسنوات 2010-2014، بغداد، 2009.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2