(العمل شعار المؤمن)

يعتبر نهج الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) خارطة طريق للحياة الأفضل، وصناعة للإنسان المتقدم، وكنا سابقا قد تطرقنا إلى مفاتيح النهضة والتقدم في هذا النهج، وطرحنا عدة مفاهيم، وهنا سوف نتطرق لمفهوم العمل وفق مفهومه (عليه السلام)، وهو الأساس التطبيقي والتجسيدي لكل المفاهيم والرؤى والأفكار.

بالعمل تُعرَف الأشياء

إن العمل حركة وانتاج، لذلك فإن أسلوب وطريقة العمل هي التي تحدد لنا شكل حياتنا، ولا تحدد لنا طريقة معيشتنا فقط، وإنما تحدد شخصياتنا، ونظامنا الاجتماعي، ونظامنا الفكري والثقافي، وأسلوبنا في الحياة، والحضارات والأمم والمجتمعات يتبين وضعها، تقدمها وتخلفها من خلال طريقة عملها، لذلك فإن الأمم التي تقدم عملا جيدا ولو نسبيا هي أمم متقدمة، والتي تكون منطوية على الكسل والتراخي وعدم الجدية والركود والجمود، فإنها أمم يهيمن عليها التخلف والفقر، ومن خلال ذلك تتوالد أمور أخرى تعبر عن هذا التخلف والتراجع في المجتمع.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) التوبة 105. اي معرفة الشخص من خلال عمله، وليس من خلال ادعائه وكلامه فقط، نعم الكلام والنظرية مقدمة للعمل الذي يكمّلها.

ثلاثية الفعل الانساني

هناك أبعاد ثلاثة في دائرة الحياة: الإنسان، الحركة، الزمن، هذه الثلاثية تشكل الفعل الإنساني، وتجسد الفعل الخارجي، منتجة ما نسميه بالعمل، وقد عبرت الآية القرآنية الكريمة التالية عن هذه الثلاثية، (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر)ِ العصر1-3.

الإنسان هو كائن عاقل، لذلك كل عمله الجسدي أو الفكري أو العلمي أو العاطفي أو الشعوري، لن يكون عملا عبثيا، فالله سبحانه تعالى انعم عليه العقل حتى يحوِّل هذه الثلاثية إلى فعل عقلاني، فلن يكون عمله عبثيّ أو غرائزيّ أو جبريّ.

هذا العمل له غاية ودافع ووسائل، لتجسيد حركته على شكل إنتاج، فيحصل تراكم عند الإنسان، لهذه الحركة الفعلية فيتحول هذا التفاعل إلى عمل مجسّد يتراكم عند الإنسان، فيجعله متقدما في حياته. ولكن إذا توقف ولم يعمل الإنسان ضمن هذه الحركة الثلاثية، يكون جامدا ساكنا كسولا متراخيا متخلفا.

العمل يجسّد إيمان الإنسان ووجوده

المقصود من العمل (اعملوا) هو ليس الأمر المولوي، فالأوامر المولوية تأتي في القضايا العبادية، بل الامر هو ارشادي أي لإرشاد العقل، أي من واجب المؤمن عقلا أن يعمل حتى يجسّد إيمانه، فيرى الله عمله ورسوله، وأمير المؤمنين والمؤمنون، فهذا العمل هو واجب على الإنسان في طبيعته.

لهذا نلاحظ أن الإنسان الذي لا يمتلك عملا بشكل عام، يشعر بالفراغ في داخله، بالفراغ النفسي والروحي، وبأنه خارج حركة الزمان، وخارج حركة الوجود، والذين يعيشون البطالة يعانون ضيقا نفسيا هائلا، لأن العمل حتمية في حياة الإنسان لكي يجسد وجوده في الحياة، فالعمل بالنسبة للإنسان، هو معنى لوجوده في الحياة.

معنى العمل ومفهومه

ويعرَّف العمل بأنه الطاقة أو الجهد الحري أو الفكري الذي يبذله الإنسان من أجل تحصيل أو إنتاج، وهذا الإنتاج قد يكون سلعة أو خدمة أو علم أو فكر أو أي شيء آخر يترتب على العمل الهادف وليس العمل العبثي.

إن كل مجهود يبذله الإنسان من دون هدف، لا يعتبر عملا، ودور الحركة هو بعد جوهري في داخل الإنسان، كحال البعد الزمني بالنسبة للإنسان، والتفاعل بين البعد الزمني والبعد الحركي يولّد العمل.

العمل جوهر الإنسان

يقول القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) الانشقاق 6. فهي حركة مستمرة نحو الأمام ونحو نهاية الإنسان، هذا الكدح والعمل المستمر، موجود في جوهر الإنسان، لذلك فإن الإنسان يدرك من خلال كدحه وعمله ونضاله بأن عمله له نتائج قد تشبع حاجاته الخاصة او رؤيته العامة، وان نوع العمل واسلوبه يشكل شخصيته وليس فقط معيشته.

لذلك فإن القرآن الكريم يقول: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) آل عمران 195. وكأنه جواب لمن يسأل ما فائدة العمل؟، فالإنسان الذي يعمل لا يضيع عمله، وهذا أحد القوانين الكونية والسنن الكونية الثابتة.

القانون الكوني، الأسباب والمسبّبات تجعل العمل فعلا منتجا لا يضيع، أما الذي يضيع فهو العمل العبثي، أو اللا عمل، يتبدد ويكون مهدورا، لذلك فإن العمل الإنساني هو الذي يجعل حياة الإنسان منتجة، غير ضائعة، هادفة، وتسير في عملية البناء في مختلف أنواع هذا البناء.

مفهوم العمل في الإسلام

يتحدد عمل الإنسان كله من خلال شكل العمل ونوعه وغايته، ووسائله التي تحدد شخصية الإنسان ومسيرة وهوية المجتمع، لماذا بعض الأمم تعمل ولكنها تفشل؟، في حين هناك بعض الأمم تعمل فتكون أكثر تقدما من سواها، السبب لأن أعمالها تكون جدية ووُضعت في إطار منهجي، فالأمة التي لها مصانع ومعامل تكون منتجة وتكون أكثر تقدما في الانتاج العملي، لكن الأمة الأخرى التي تأخذ سلع هذه المصانع وتستهلكها عبر المحال والسوبر ماركت، يعتبر عملها هذا ضعيف لأنه استهلاكي وإن كان انتاجيا.

لذلك نلاحظ أن الإسلام وضع إطارا خاصا للعمل ونظامه، كما نجد ذلك في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمفردة العمل في الأحاديث الشريفة والآيات القرآنية تأتي مع مفردات أخرى، مثلا العمل مع الإيمان، العمل مع التقوى، العمل مع العلم، العمل الصالح، كذلك العمل والآخرة، والعمل والأجل (الموت)، العمل والرزق الحلال أو الحرام، العمل والجهاد، العمل والشكر، العمل والتوكّل، وهناك مفردات أخرى.

فالعمل هو من متطلبات أو ضرورة من ضرورات الإسلام، حيث يحدد العمل شخصية الإنسان من خلال (الأطر والمبادئ التي يعمل بها، والوسائل التي ينتهجها في عمله، والغايات التي يتجه نحوها)، هذه الجوانب الأربعة نعرف من خلالها هوية العمل، ومدى هدفية هذا العمل.

غياب الاطار الاسلامي

ويمكن من خلال ذلك أن نلاحظ الفرق بين العمل المؤطَّر وغير المؤطر، فالعمل في الإسلام هو الذي يرتبط بالرزق الحلال، لكن هناك أمم أخرى قد تختلف محرماتها، فالعمل لديهم لا يرتبط بالحلال، مثلا بيع الخمر والقمار لديهم حلال، المهم لديهم الربح الذي يتحقق، وليس المهم الوسائل، ولا المبادئ، وليس مهما مدى الضرر الذي يلحقه بالآخرين، هذه هي أطرهم، لذلك نلاحظ ان عملهم هذا يتصف بالعبثية لكونه مضر بالبشرية.

حيث تعاني البشرية الآلام والمشكلات الكثيرة بسبب عدم وجود الأطر التي تنظم العمل، مثلا يعيش العالم اليوم أزمة غذائية، في حبوب القمح والذرة والرز وباقي الحبوب الأخرى، وهناك من يموت جوعا في أفريقيا وغيرها من البلدان، والأسعار مرتفعة بشكل هائل في بعض المجتمعات، بسبب الحرب التي حدثت بين روسيا وأوكرانيا، لكن 40% من حبوب الذرة يذهب في صناعة الوقود الحيوي بمجال الطاقة، لأن الربح في هذا المجال أكثر.

فيتم تبديد الغذاء الذي يعد أهم حاجة عند الإنسان من أجل صناعة طاقة بسبب الربح الأكثر، لاحظ الإطار، فليس مهمّا لديه الناس بل المهم كيف يربح أكثر، والمهم لديه أن عمله يحقق له الربح الكامل، وكذلك الاحتكار، فالعالم يعاني اليوم من مشكلة الاحتكار أيضا، بينما هذا العمل حرام في الإسلام، ولدينا روايات وأحاديث تؤكد أن يكون البائع ملزما بالسعر السائد ولا يجوز له رفع السعر. ولا يجوز له أن يخفي البضاعة لكي يقل العرض ويزداد الطلب فيصعد سعرها، هذا لا يجوز في الإسلام، فالأطر في الإسلام تحترم قيمة العمل بما يؤطره من مبادئ ووسائل وغايات، وفي عهده لمالك الاشتر يقول الامام علي (عليه السلام): (وَاعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً وَشُحّاً قَبِيحاً وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ وَتَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلَاةِ فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مَنَعَ مِنْهُ وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ).

بين العمل المؤطر والمنفلت

فالعمل يعبر عن الهوية الإسلامية للإنسان ومدى التزامه وتحمله للمسؤولية من خلال أسلوب عمله فعنه (عليه السلام): (وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ)، فالعمل مبادرة والمبادرة تكون بالعمل الصالح بالعمل الجيد، بالعمل الحلال، وهذه المبادرة هي التي تشكل هذا الإطار. ومن معطياته ان يكون عمله في خدمة الناس والرزق الحلال، وهما عمودان يستقيم عليهما العمل الصالح، لذلك يحتاج الانسان الى فهم غايات العمل وعواقبه ومخرجاته الاستراتيجية دون الوقوع في فخ الأرباح السريعة، ومن هنا يؤكد (عليه السلام) أنه: (لا خير في عمل إلا مع اليقين والورع)، لذلك مهما كان نوع العمل الذي يؤديه الإنسان لابد أن يكون ضمن هذين الأمرين (اليقين والورع)، ويبتعد عن محارم الله، لذا يجب معرفة الحلال والحرام في التجارة والورع في ذلك، فهناك صفقات قوية قد تُتاح للإنسان وفيها أرباح كثيرة، لكن في طريق أعوج وفيها محرمات، وأحيانا لا يوجد فيها محرمات، لكن طريقها أعوج يتسبب بالأذى للناس، لذلك عندما يكون عند الإنسان ورع ويقين بعواقب عمله ويكون لديه ورع عن محارم الله فإنه لا يفعل ذلك، أي لا يدخل في صفقة فيها حرام أو طريق أعوج يؤذي الناس، فلا يكون عمله خارج إطار الحلال والحرام، بل ضمن إطار الأخلاق والقواعد الشرعية والانسانية.

إن الإنسان يعرف عمله جيدا، لذلك فإن إطار العمل مهم جدا، والانفلات خطير جدا، خاصة أن المبررات موجودة لكل الأعمال السيئة والمضرّة في عصرنا الحالي، وهناك من يضع ألف طريقة وطريقة لتبرير عمله لكن الإنسان يعرف طبيعة هذا العمل، لاسيما إذا كان لديه يقين وورع فإنه يعرف أن لعمله نتائج وخيمة، فيعرف أن الله تعالى لا يرضى عنه.

ذخيرة العمل الصالح

لابد للإنسان أن يبحث عن رضا الله سبحانه وتعالى في كل عمل يقوم به، وهذا هو معنى الورع، حتى يعرف عواقب أعماله ونتائجها، فكل عمل من أعمال الإنسان وكل فعل يفعله فيه عاقبة، وفي هذه العواقب تخزين لمستقبله الدنيوي والأخروي.

فعن الإمام علي (عليه السلام): (فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح بالقصد فيما تجمع وما ترعى به رعيتك)، والذخيرة هو الخزين الذي يجمعه في الدنيا وصولا الى الآخرة، فالإنسان الذي تكون أعماله في الإطار الصالح والصلاح والورع واليقين، فهو بالنتيجة يختزن لنفسه في الدنيا أيضا، وكذلك يختزن بشكل أكبر وأعظم للآخرة، لذا يقول الإمام (فليكن أحب الذخائر إليك).

عندما يخرج الإنسان من بيته إلى عمله، عليه أن يعتبر عمله هذا مقدّسا كالعبادة، فكما يقدّس العبادة يقدس العمل ويجعله خزين يجمعه لنفسه في الدنيا والآخرة. عندما يخرج الإنسان للعمل، عليه أن يجعل نيّة عمله لنفع الآخرين وبذلك يكون نفع نفسه، وهذا هو الكسب والاكتساب الذي طرحناه سابقا.

التنمية والاستثمار المستدام

إذا أردنا أن نتأمل في هذه الرواية تأمّلا عميقا، فإننا سنصل إلى فهم وإدراك عملية التنمية الحقيقية التي يحتاجها المجتمع، حيث تكون لديك عملية بناء الموارد التي يحتاجها المجتمع، حيث تذخر وتدّخر في ما يكون عملا صالحا بالقصد فيما تجمع، بالفهم والغاية والاعتدال، (وما ترعى به رعيتك)، أي أن تجمع للمستقبل.

لكن ما نلاحظه اليوم عكس هذا المطلب تماما، كما في الدول الريعية التي يوجد لديها موارد نفطية هائلة جدا، ولكن تستهلك وتبذر هذه الموارد النفطية بشكل فظيع، من دون استثمار، من دون ذخيرة، من دون عمل صالح، وجيد وعمل مخطَّط له، قائم على فهم الاستثمار للمستقبل وتوزيع هذه الثروة على الناس حتى تكون خزينا لهم، أي ذخيرة للناس في حياتهم، بحيث تحقق لهم الكرامة والسكن الصالح والعمل الجيد والتعليم الجيد والصحة الجيدة، وترتقي بالناس، هذه هي الذخيرة بمعنى الاستثمار الجيد، الاستثمار الذكي، الاستثمار المستدام.

تبديد النِعَم الإلهية

هذه القاعدة تعد من أعظم القواعد التي أكدها الإمام علي (عليه السلام)، وهي (ذخيرة العمل الصالح)، أما في حال يوجد عندك نفط وسعره غالٍ، ولا تستثمره جيدا، فهذا نوع من التبذير، والآية الكريمة تقول (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) الإسراء 27. فالذين يضيّعون الثروة هم أخوان الشياطين، وهذا نوع من التضييع وتبديد النِعَم الإلهية، فكما ضيّعوا (الغدير)، يضيعون الثروات الموجودة أيضا.

عندما تكون هذه القاعدة سلوك اساسي في حياة الإنسان سواء كان من صنف رجال الدين، أو أكاديمي، أو موظف، أو تاجر، فإنه سوف يكون ناجحا في حياته نجاحا مطلقا، وإذا تحول هذا الأمر إلى ثقافة عامة، فسوف يقفز المجتمع قفزات هائلة إلى الأمام بسبب هذا المنطق، بسبب هذا المنهج (الذخيرة).

كيف تحافظ الدول اليوم على توازن عملتها النقدية وثباتها، إنها تحافظ عليها من خلال وجود ذخيرة من العملات الصعبة في البنك المركزي، وهذه قاعدة اقتصادية معروفة، فتكون لدى الدولة كمية من العملات الصعبة تضعها حماية لعملتها، وبمجرد أن تنخفض عملتها تقوم بشراء عملات صعبة من السوق حتى تحافظ على استقرار عملتها.

ولكن إذا كان العمل الصالح يمثل قاعدة هذا العمل، فهو الذي يحافظ على الاقتصاد، وعلى التوازن الاقتصادي في المجتمع، لذلك فإن العمل الصالح يشمل كل شيء في جانب الخير، وجانب المنفعة والنفع، والجانب العملي والأخلاقي والعقائدي والعبادي، والجانب الاقتصادي، فالعمل الصالح هو الذي لا تكون فيه عواقب سيئة، وفيه منفعة للآخرين وللأمة وللمجتمع.

تغييب الأمن الاجتماعي

مثال حول ذلك، التلاعب الاقتصادي الذي يمارسه بعضهم حاليا، هل يعد عملا صالحا أم عمل مدمِّر؟، أما العمل الصالح فهو الذي يتم فيه مراعاة التوازن في السوق، بين العرض والطلب، بين الأسعار، مع مراعاة الفئات الفقيرة المهمشة الضعيفة، وليس النظر للأغنياء فقط كي يربحوا، هذا هو التوازن الذي يحققه العمل الصالح في المجالات كافة.

لذلك يقول (عليه السلام) (القصد فيما تجمع) أي الإدارة الجيدة لما تجمعه، والاعتدال، (وما ترعى به رعيتك)، أي تحافظ على الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن الاجتماعي، والأمن التعليمي، والأمن الصحي، هذه هي رعاية الرعية، وهذا هو معنى العمل الصالح ومعنى الإدارة الجيدة للموارد الاقتصادية التي يحتاجها البلد.

وإلا ما فائدة أن تمتلك ثروات هائلة، لكنك تعيش عيشة الفقراء بسبب سوء الإدارة، والطمع، والحرص على السلطة والشغف بالسلطة، وتوزيع الأموال فيما لا يخدم الناس، كشراء الذمم، وشراء الأصوات الانتخابية وغيرها،

لذلك فإن هؤلاء السياسيين أو النخب أو الجماعات من أية فئة كانت، عندما لا يدعمون أعمالهم وأفعالهم بالعمل الصالح نحو المستقبل، فإنهم بالنتيجة يبدّدون خيرات الأمة، ويبددون النِعَم الإلهية.

تهميش نهج الغدير

إن نهج الغدير حي لا يموت، ولكن تم تهميشه، هناك بعض الناس يحبون أن يتلاعبوا ويحتكروا ويسيطروا على السلطة وعلى الموارد، ويعيشوا عيشة الشياطين والطغاة وتبديد موارد الأمة.

الإمام علي (عليه السلام) طبَّق منهج الغدير، في العمل الصالح، في أربع سنوات أعطى منهجا كاملا للغدير خلال حكمه، يُقال لم يكن هناك شخص جائع أثناء حكمه (عليه السلام)، ولم يكن هناك إنسان لا يمتلك سكنا، أو لا يمتلك عملا، فقد كان الناس منعَّمين في حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك بسبب (ذخيرة العمل الصالح) والإدارة الجيدة للموارد، بحيث قرأنا في بعض الكتب، أن الإمام قد أجرى المياه العذبة في داخل المدن حيث كان يصل إلى البيوت، وكان هناك أربع ملايين دكة (محل أو دكان)، يعيش منها الناس وهذا شيء غريب عجيب وأرقام هائلة جدا بحسب مقاييس ذلك الزمن.

الإنسان التكتيكي والتفكير الاستراتيجي

يقول الإمام (عليه السلام): (وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ)، فربما هناك شخص في مكان بعيد ليس شبعانا، فهذا يعني أن الكل شبعان، وهذه هي نتيجة الإنسان الذي يؤطّر عمله بهذا المنهج، وهذا يعني النجاح حيث لا يوجد لديك فقير.

بعض الناس عندما يؤطر عمله في محل تجاري، أو أي مشروع آخر، يؤطره بالأعمال الصالحة فإنه سوف ينجح، وهذا هو قانون الحياة، لأن العمل الجيد يقوم على أسس جيدة، لذلك فإن ذخيرة العمل الصالح هو الذي يؤدي إلى النجاح، لكن للأسف الشديد ضيق رؤية الإنسان وضيق تفكيره، وضياعه في المجهول أو في حالة التشاؤم والحالات السلبية، ووقوعه في التفكير المادي المحض هو أحد الأسباب.

فخضوع الإنسان للتفكير المادي، وتربيته المادية المحضة، تؤدي به إلى الخروج عن أطر العمل الصالح، إن الإنسان يستعجل اكتساب الرزق، وهناك رؤية للإمام علي (عليه السلام) حول هذه القضية سوف نقدمها في مقال قادم، والإنسان الذي يستعجل رزقه أسمّيه الإنسان التكتيكي، وهو ارتجالي والمهم لديه أن يفعل ما أمامه، وغالبا ما يكون فعله غير مؤطَّر، لذلك يفشل دائما.

أما العمل الاستراتيجي فهو الذي يخطط له صاحبه وينظر إلى الأهداف والغايات ويدرك العواقب ويتبع الوسائل التي تتناسب مع الأهداف والغايات، وهذا يسمى بالتفكير والعمل الاستراتيجي، وهذا هو الذي يربح في المستقبل، في بعض الأحيان يتوقع الإنسان الذي يفتح محلّا جديدا أنه سوف يحقق الربح خلال شهرين أو ثلاثة، لكنه لم يربح خلال ستة أشهر، فيغلق محلّه، لكن بعض الأحيان تأتي الأرباح بعد مرور سنة أو سنتين، حسب صبر الإنسان وتفكيره المستقبلي.

أحد أركان العمل الصالح الاتقان، وهو العمل الذي يحوز على مستوى عالٍ من الجودة حيث يعتمد على الصبر دون الاستعجال الذي يؤدي الى رداءة العمل، ولكن الاتقان يمكن ان يؤدي الى ان يذخر ويجمّع ويخزن من أجل بناء المستقبل الشامل للجميع، (إذا عمل أحدكم عملا فليتقن).

حب العمل وعدم الكسل

بعض الناس لديه حالة من الاتكالية على الآخرين، ويريد من الآخرين أن يحلّوا أزمته أو مشكلته، ولكن هذا الإنسان الاتكالي حتى لو توفرت له أفضل الظروف سوف يبقى فاشلا لأنه اتكالي، أما الإنسان العازم الذي له عزم وحركة وتوكل على الله سبحانه وتعالى، تكون عنده مبادرة وحركة وإرادة للعمل، فيبتكر العمل الذي يجعله ذخيرة له في عملية النمو والتطور، فيجب عليه أن يبادر ويبدأ.

هناك من يريد أن يصعد السلّم بقفزة واحدة، لكن لا يمكن صعود السلم من آخره، لابد أن يكون صعود السلَّم من أوله، ويصبر الإنسان، ثم خطوة فخطوة إلى أن ينمو ويذخر لنفسه، فالإنسان الذي يحب نفسه ويحب أن يكون موجودا في الحياة، لابد أن يربي في نفسه حب العمل وعدم الكسل، وأن لا يبقى عاطلا.

لأن الإنسان العاطل بالنتيجة سوف يضرّ نفسه في كل الأحوال والمستويات، فعلى الشباب أن يكون لديهم حب للعمل، وأن يكون ذلك كله في إطار العمل الصالح، والأخلاق الحسنة، لأنها هي التي تدرّ للإنسان بالرزق الوفير، وعلى كل إنسان أن يكتشف في نفسه ما العمل الذي يكون محبّبا له، وبالتالي يكتشف مواهبه ثم ينمي هذه القدرة لكي يكون صالحا، لكن لابد أن يبادر بالعمل قبل فوات الأجل والمدد.

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق