من هو البطل؟ ومن يستطيع ارتداء ثياب الأبطال؟ وهل الوصول إلى مرتبة البطل سهلة في بلاد متعطشة للبطولة وتعيش في أذيالها حتى وإن هزمت عشرات المرات طوال السنين الماضية؟ لماذا نبحث عن بطل أصلاً؟ هل لأننا نشعر بأعماقنا بالهزيمة واهتزاز الروح الداخلية؟

الحديث عن البطل في العراق مثل الحفر في قبور الخلافات التي ندفنها بالرمل دائماً فتكشفها رياح الحقيقة في لحظة المصارحة، إذ لا يوجد لدينا بطل واحد، لدينا أبطال، وهم في ذات الوقت مجرمون، نعم إنهم يحملون الصفتين معاً؛ لأن بلادنا لم تتفق بعد على نوع الأفعال التي تعتبر من البطولة، والأفعال التي تصنف على أنها فعل إجرامي.

وبالعادة تتفق الأمم الحديثة على تصنيف الأفعال عبر مجموعة من القواعد والإلتزامات الدستورية والقانونية، فضلاً عن تقاليد العيش القائمة على المشتركات الكبرى وتحقيق أشياء تجلب الشرف القومي، مثل تحقيق نمو اقتصادي ورفع مستوى دخل الفرد، وتحصين البلاد من التجاوزات الخارجية، وزيادة مستوى التسهيلات للمواطنين على المستوى الداخلي والخارجي.

يكافأ من يحقق أكبر قدر من الإلتزامات بإعادة انتخابه إن كان سياسياً، أو شراء منتجاته إن كان يملك شركة لإنتاج السلع.

وربما تكون البطولة معنوية كما هو الحال في بطولات كرة القدم، وهذه البطولة الوحيدة التي يتفق عليها غالبية الشعب العراقي حينما تحول انجاز المنتخب الوطني لكرة القدم عام 2007 إلى مناسبة للفخر الوطني عبر حصد بطولة أمم آسيا.

منذ ذلك الإنجاز لم يلد العراق بطلاً متفقاً عليه، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالحياة العملية للناس مثل الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، فالبطل نفسه قد يصنف على أنه خائن، والعكس صحيح.

وإذا أردنا ابتكار توصيف خاص بالابطال والمجرمين العراقيين، يمكننا وصفهم بـ"الأبطال المجرمون".

والمسألة لا تقف عند هذا الحد، بل هي تعبر عن حجم الخلافات المدفونة بيننا، ما نختلف عليه بشأن تعريف البطل والمجرم، يعني أننا اختلفنا في تحديد ما يعد جريمة وخلافها، وتلك مسألة غاية في الخطورة، لأن أي بطل في نظر جماعة معينة يجب تكريمه من قبل الجماعات الأخرى، وهو نفسه الذي يصنف كمجرم في رأي جماعة معينة وترى وجوب سجنه أو نفيه خارج البلاد.

رؤيتان مختلفتان نجدهما في تقييماتنا اليومية للشخصيات السياسية على وجه التحديد، سوق رائج لعروض "الأبطال المجرمين" من فئات مختلفة، احتفالات وإدانات يومية واسبوعية وشهرية بهؤلاء "الأبطال المجرمين"، الخطاب والصدى مختلفان.

هذا هو البطل، هذا هو المجرم.

يجب أن يخلد في التأريخ، يجب أن يكون عبرة لغيره.

سوف ننتصر لاستشهاده، سوف نقتل كل من يناصره.

وما يكتب في مواقع التواصل الاجتماعي وعروض وسائل الإعلام ينزل إلى الشارع، ليس عبر الكلمات والهتافات فحسب، إنما بالأسلحة ومحاولات فرض الإرادات على الآخر، عليك أن تقبل بأن من أدافع عنه هو بطل وتتبعه.

لك أن تتصور حجم الإشكالية عندما تجد هذه الحدة في الخلاف على نفس الشخص، بين البطولة والإجرام، وبين فريقين يريد كل منهما فرض إرادته على الآخر، إنها مساحة تطرف حادة.

والتطرف يصنع مواجهة حتمية، والمواجهة تتطلب مزيداً من الأبطال بين الطرفين، وهذا يعني مزيداً من المواجهات التي لا تنتهي.

المستفيدون في هذا الصراع هم المتطرفون، غالباً ما يتحولون إلى أبطال، لديهم أتباع ويتمتعون بحماية شعبية واسعة من قبل أتباعهم، يجب عدم المساس بهم، الاستماع إليهم حتى وإن كانت رؤاهم مخالفة للقواعد القانونية.

الوفرة في الأبطال تشعر المتابع وكأنه أمام شعب متعطش للأبطال، شعب مهزوم يتمسك بأي فعل ليرفعه إلى مستوى الفعل البطولي.

اضف تعليق