قد يكون الشعب العراقي أحد أكثر الشعوب نقداً لازدواجية السياسات الغربية في التعامل مع القضايا التي تهم المنطقة والعالم، وهذه حقيقة، فالغرب لا يملك ميزاناً واحداً لمعايَرَةِ الأحداث والتفاعل معها، طبيعة مصالح الغرب نفسه والحلفاء هي من تحدد إن كان المقتول ضحية والقاتل مجرماً.

إذا كان المقتول أوكرانياً والقاتل روسياً من واجب الغرب أن يقف بطوله ويصرخ بأعلى صوته بضرورة حماية حقوق الإنسان والدفاع عن حدود الدول المستقلة.

أما إذا كان المقتول فلسطينياً مثل الصحفية شيرين أبو عاقلة، والقاتل إسرائيلياً، فلا داعي للاستعجال، انتظروا نتائج التحقيق وبعدها سوف نقرر إن كان الموضوع يستحق الإدانة أم لا.

وحتى على مستوى انتهاك سيادة الدول وتخريب الحدود الدولية، فما تقوم به روسيا من عمليات لضم مقاطعات كاملة من الأراضي الأوكرانية تعد جريمة وانتهاكاً للقانون الدولي، أما في فلسطين، فالولايات المتحدة الأميركية تتفاخر بنقل سفارتها القدس وهي أرض تم الاستيلاء عليها بنفس الطريقة الروسية، كما تعتزم بريطانيا اللحاق بركب الناقلين سفاراتهم إلى القدس المحتلة.

نسمي هذه السياسات في العراق بـ"سياسة المعايير المزدوجة"، ونشجبها بقوة في كتاباتنا وصحفنا وقنواتنا الفضائية، وبسبب ازدواجية المعايير نعتبر أميركا "الشيطان الأكبر"، وننعت الغرب عموماً بـ"العدو".

ماذا عن معاييرنا؟

في العراق تقاس المواقف على الطريقة الغربية لكن بعقول محلية، ففي إقليم كردستان شمال البلاد حيث تتواجد الجماعات المسلحة الكردية بمختلف صنوفها، وفي الجنوب حيث تتواجد الجماعات المسلحة الشيعية.

تقوم تركيا بقصف محافظة دهوك، تقوم الجماعات الشيعية وإعلامها ومناصريها بحملة إعلامية شرسة ضد التدخلات التركية والمطالبة بضرورة وقف انتهاك السيادة الوطنية العراقية، وطرد السفير التركي.

تتفرج القوى السنية المقربة من تركيا (سياسيين وإعلاميين) على هذا المشهد وبعضها ينصب نفسه محامياً بالمجان لصالح الأتراك ويبدأ بسرد التبريرات التي لها بداية ولا نعرف نهايتها، إبداع في التملك والخضوع للأجنبي.

بعد شهر تقريباً يتكرر المشهد، لكن الفاعل مختلف، إيران حليفة الجماعات المسلحة الشيعية تبدأ بعمليات قصف ضد الجماعات المسلحة الكردية في أربيل، ومع اختلاف الفاعل تنقلب الإدانة إلى تبرير والتبرير إلى إدانة.

الكرد والسنة يدينون القصف، والشيعة يبررون، الفريق الأول يعتبره انتهاكاً صارخاً للسيادة ويطالب بطرد السفير الإيراني، والفريق الشيعي المتحزب يبرر، وبعضه يحتفل ويبارك الانتصارات الإيرانية التي تتناسل مع كل صاروخ يطلقونه لأي سبب كان.

أوجه السؤال إلى الفريقين أنصار الأتراك والإيرانيين:

إذا قصفتم تركيا فهل ستبرر قصفكم أراضيها أم تستخدم كل قوتها للرد على القصف العراقي؟

إذا قصفتم إيران بصاروخ واحد هل سوف تسكت عن الرد؟ وهل ستبرر لكم كما تبررون لها؟

قد تكون هذه الازدواجية في إعلان المواقف كافية للتوقف عن إدانة الغرب الشيطان كما نسميه، والنظر إلى أنفسنا، ما الذي نفعله تجاه بلدنا، أليست كردستان جزء من العراق؟ أليس كل مواطن يحمل الجنسية العراقية يجب حمايته من أي عدوان أجنبي؟ وهل من مصلحه العراق تصنيف المواقف حسب المعتدي الأجنبي؟

إذا كان الغرب يتعامل بازدواجية مع مواقف نعتبرها من الواجبات الأخلاقية، ففي العراق ننتهك الواجب الأخلاقي مضافاً إليه انتهاك الواجب الوطني، بل نعمل على تدمير بلدنا وتمزيق وحدته الوطنية من خلال تقسيم المواقف.

الازدواجية التي نتعاطى فيها مع القضايا الوطنية تمثل أخطر مرض يصيب بلاد الرافدين، وتعمق الشعور بالهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، ونحن بأمس الحاجة إلى جمع شتات المواطنين في كيان واحد اسمه العراق.

مهما كانت المزاعم التي تسوقها دول الجوار تجاه العراق، ومهما كان موقفنا منها، صديقة كانت أم غير صديقة، أي صاروخ ينطلق من خارج الحدود يجب أن يتوقف، وإذا كان هناك معارضين للنظامين التركي والإيراني في الداخل العراقي، فهناك القنوات الدبلوماسية والحوارات السياسية، هي الطريق السليم للتعاطي مع هذه الملفات المعقدة.

أما استسهال إطلاق الصواريخ والغارات الجوية، فلا يقودنا إلى الدمار والخراب، والأخطر هو تدمير الأواصر الوطنية الجامعة لأطياف الشعب العراقي.

نحن في حالة "تيه" وغياب البوصلة نحو الهوية الوطنية، وأي مواقف ازدواجية تزيد الشرخ وتقربنا نحو الهاوية التي إن وقعنا فيها لن يسلم منها أحد سواء ساند القصف الإيراني أو التركي.

اضف تعليق