الراديكالية في السياسة، تعني التغيير الشامل والمفاجئ للأنظمة والدساتير والقوانين. ووفقا لرؤية ورغبة القوى التي تقوم بذلك، وقد تعززت هذه الثقافة في اذهان الكثيرين بالعالم، بعد صعود قوى اليسار اواخر النصف الاول من القرن الماضي، وتعاظم المعسكر الاشتراكي (الشيوعي) وقوى اشتراكية اخرى، وصلت السلطة بواسطة انقلابات عسكرية او على خلفية صراعات ونزاعات تخللها عنف.

في العموم، غادرت اغلب البلدان الاوربية والمتقدمة (الديمقراطية) هذه الثقافة، بعد استقرار انظمتها السياسية وتعلّم شعوبها من التجارب القاسية التي مرّت بها، ولحقت بها قبل عقود قليلة بقية البلدان الاوربية من تلك التي كانت تحكمها انظمة شمولية.

لكن الراديكالية مازالت تعمل وبقوة في اذهان الكثيرين من ابناء الشعوب التي لم تترسخ فيها قيم الديمقراطية السياسية والمجتمعية ويغيب عن ثقافتها مبدأ احترام الخيارات المختلفة ... نحن في العراق، مازلنا نعاني من هذه الثقافة التي تتكامل في اذهان اغلب الساسة الحاليين وجمهور عريض يتماهى معهم او مع مشاريعهم.

فبعد ثورة تشرين 2019 وما تمخض عنها، طالب البعض الحكومة الجديدة بتنفيذ جميع المطالب التي رفعت اثناء الثورة وبشكل فوري! متناسين ان الحكومة، اية حكومة، لكي تنفذ ما تريد، لابد لها من مؤسسات وهذه المؤسسات يجب ان تتوفر لديها ادوات للتنفيذ، اي لكي تبني بيتا لابد من احضار المواد الاساسية للبناء قبل ان تستقدم البنائين.

ما يعني ان الحكومة الجديدة ليست لديها يد سحرية لتغيير الواقع بليلة وضحاها، ولابد من اعادة هيكلة بعض المؤسسات المؤثرة التي كانت وراء تغوّل الفساد وهذه مهمة كبيرة، لاسيما في بلد مبعثر مؤسسيا ولا تمتلك الحكومة الجديدة فيه القدرة على فرض كل ما تريده فورا، وسط واقع سياسي متشظ وسلاح منفلت وامن واقتصاد عليلين، لاسيما في الاشهر الاولى من تسلم الحكومة لمهامها في العام 2020.

البعض لا يريد ان يعرف ان مشروع ما بعد الاحتلال هو تقسيم العراق وانهاءه كدولة واحدة، وقد تم الاشتغال على ذلك من خلال دستور مشوّه وقوانين اخرى، الهدف منها تقويض الوحدة الوطنية والتمهيد لواقع اجتماعي يقبل التقسيم القادم.

سقط هذا المشروع أو تم تأجيله بعد ان دفع العراق انهارا من الدم، وأننا اليوم في طور استعادة الدولة، وهذا ايضا مخاض صعب، ويصطدم بالأدوات التي صنعها الاحتلال اساسا بقصد تفكيكها، وهذه الادوات الممثلة بكل ما هو خارج عن الدولة من سلاح منفلت (تحت عناوين مختلفة) وفساد وغير ذلك، ستقاوم بكل ما اوتيت من قوة، ولابد لنا ان نعرف ان المعركة مركّبة وطويلة وصاحب القدرة على المطاولة هو من ينتصر اخيرا.

اذن فالتحول الراديكالي او الرغبة في احداث تغيير شامل ومفاجئ، كما كان يحصل في الانقلابات العسكرية غير ممكن، ولا ننسى ان ظروف تلك المرحلة تختلف جذريا عن هذه، لان البنية المؤسسية كانت متماسكة لاسيما في حلقاتها الاهم، الجيش وقوى الامن الداخلي، وان التغيير الشامل لا يستدعي وقتذاك أكثر من تغيير رؤوس المسؤولية وينتهي الامر.

اما الان فالوضع معقد جدا وهو حصيلة تراكم عقدين من الفساد والفوضى المؤسسية والتعارض الحاد بين المشاريع السياسية للفرقاء وخلفياتهم الثقافية والعقائدية.. المؤكد نحن هنا لا نبرر لأي تقصير ولا نرى في مطالب الناس شيئا غير صحيح، بل اردنا القول ان النزعة الراديكالية التي حكمت عقولنا طويلا، علينا مغادرتها، مثقفون وساسة وعامة الناس.

فمثلما يخطط لنا الاخرون بهدوء وبنفس طويل، بقصد ايذائنا، يجب ان نكون نحن بالمقابل اصحاب نفس طويل ولا نستعجل الحلول قبل ان تصبح ممكنة فعلا.. لان خلاف ذلك يعني اننا نضيف للخراب ونعمل على تكريسه ايضا ...!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق