حين هتف شباب تشرين في ساحات الاحتجاج (نريد وطن)، كان هدفهم هو استعادة الدولة، لان الدولة حين تغيب يغيب معها كل شيء في الحياة، ويغيب الوطن كتحصيل حاصل، فالإنسان يشعر بالاغتراب حين تتصحر الأشياء من حوله، ولم يعد ينتمي للمكان الذي هو فيه لان المكان لا يبادله العطاء، لاسيما اذا كان مجتهدا ومكافحا ويسعى للعيش بكرامة وشرف.. لقد حققت ثورة تشرين الكثير من اهدافها لكنها لم تصل بعد الى محطتها النهائية.

فالفاسدون لم يقدموا الى المحاكم وكذلك القتلة ممن استهدفوا الشباب الثوار، ولم يتم حصر السلاح تماما بيد الدولة، ولم يحصل الشعب على فرصة عيش تتناسب مع ما في العراق من ثروات أهدرها الفساد وسوء الادارة.

لقد كان الامل معقودا على الحكومة القادمة، اي الحكومة التي هيأت لولادتها ثورة تشرين من خلال حكومة مؤقتة سبقتها، اجرت الانتخابات بنجاح، وكنا على مرمى حجر من حكومة اغلبية لولا العوائق المعروفة التي وضعت في طريقها، ليقين المعرقلين انها ان رأت النور سيختفون هم في الظلام.

لقد سئم العراقيون حكاية (توافق القوى الدولية والاقليمية) قبل الولادات المشوهة للحكومات السابقة والتي كبّلت ارادة الشعب وغيبت سيادته وجرحت كبرياءه، وكانت سببا في اندلاع ثورة الشباب الذين وجدوا ان الوطن اختفى في وسط هذه اللعبة المهينة التي يتسلى بها الاغراب على جسد العراق المثخن بالجراح.

اليوم وقد باتت اثقال القوى السياسية معروفة في الساحة وقبلها ثقل الارادة الوطنية التي تجلت في ساحات الاحتجاج وغيرها والتي تقول وبوضوح ان العراقيين يريدون حكومة تعكس تطلعاتهم وليست حكومة تعيد انتاج الفاسدين وتكرس نفوذ النافذين من الاجانب وتغيّب اصوات الوطنيين... حكومة بحجم ثورة تشرين وتعكس حتما خيار الشعب في الانتخابات الاخيرة، فأصوات العراقيين اوسع من مساحة مبنى البرلمان، كونه انعكاسا لها او صداها الذي يبقى أصله في بيت كل شهيد او جريح او جائع او مهضوم.

نريد ان تكون لنا حكومة بحجم حلمنا في الحياة الكريمة وبحجم ألمنا الطويل ومعاناتنا وليس على مقاس الساسة الفاسدين المعتاشين على الازمات والبارعين في اختلاقها، ليقينهم انهم لن يكون لهم مكان في عراق تسهر على امنه واستقراره حكومة وطنية تفعّل ممكناته الكثيرة وتجمعه على حب الوطن الذي تغنى به شباب تشرين وعمقهم المتمثل بالملايين من اهلهم العراقيين، لينهوا مسلسل العار والتردي الذي برع به الفاسدون وظنوا انهم صنعوا لهم اسوارا وسدودا وتبين لهم انها أوهن من بيت العنكبوت حين هبّ الشعب في ثورته ولعله اليوم متأهب ومستعد للذهاب الى ابعد الحدود من أجل ان لا يسرقها منه الفاسدون .. مهما كلّف الامر.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق