إذا أردنا توصيف المكون الشيعي في العراق، فهو مكون خائف، السردية الشيعية تكرر مخاوفها من المؤامرات الهادفة لتدمير المكون عبر الجيوش والإعلام والمخابرات والمخططات الدولية والإقليمية، وبداية التدمير تنطلق من تجريده من قوته السياسية والعسكرية والاستحواذ على الحكومة الشيعية وعودة عصر الظلم الذي عانوه منذ قرون طويلة.

مهما ذهب الإعلام الشيعي بعيداً، ومهما حاول تبديل جلده، يبقى يدور في حلقة تنتج الخوف، والتخويف وتحذر منه بشكل يثير الريبة، فهل هناك مؤامرات فعلية تحاك ضد المكون؟ ولماذا بهذا الحجم الكبير؟ وما تأثير الحديث بالمؤامرات على العقلية الجماعية الشيعية؟

المشكلة الجوهرية لدى القوى السياسية الشيعية المسيطرة على الفضاء الإعلامي للمكون، إنها تعتبر كل خلاف سياسي مؤامرة، وكل خطوة تتخذها الأطراف الأخرى محاولة لتدمير المكون الشيعي، إنهم مثل الطفل الذي لا يستطيع الاستمتاع بالحلوى التي في يديه خشية سرقتها من أخيه لأنه طلب جزءاً منها فحسب.

العالم كله يتآمر ضدهم ولا يريدهم أن يحققوا نجاحات سياسية واقتصادية، فأزمة الكهرباء بالنسبة لهم ليست مشكلة فشل إداري وفساد مالي داخلي وخارجي، بل هي أوامر أميركية لمنع استقرار قطاع الطاقة حتى تعود واشنطن لاستخدام هذا الملف ضد الحكم الشيعي عبر تأليب الشارع وقلب المعادلة السياسية متى شاءت.

الإدارة الأميركية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب عرقلت التعاقد مع شركة سيمنز الألمانية عام 2018 التي تعهدت بتوفير الكهرباء، وأرادت ترامب أن يكون العقد لصالح شركة جنرال الكتريك.

بالنسبة للقادة السياسيين الشيعة هذا أكبر دليل على وجود مخطط دولي لمنع إصلاح منظومة الطاقة الكهربائية، ويثبت صحة ما ذهبوا إليه بوجود أيادٍ دولية تتحكم فيه انتقاماً من قادة المكون.

مبرر غير موفق ولا يصلح حتى لأحاديث المقاهي الشعبية، فالولايات المتحدة الاميركية وقفت بوجه الصناعات الألمانية التي تعد من أقوى حلفائها في العالم، لكن الاقتصاد الألماني لم يتوقف، وقد وقفت ضد اليابان وكوريا الجنوبية أقرب حلفائها الآسيويين، ورغم ذلك استمرت علاقاتهم وتواصل الاقتصادان الياباني والكوري الجنوبي بنفس المسيرة.

لقد فرضت أميركا عقوبات على أقرب حلفائها وشددت من قبضتها الحديدية ضد الصين وروسيا ودول عدة في العالم، لم تتوقف أغلب الدول التي عارضتها الولايات المتحدة الأميركية، بل أن هذه المواقف السياسية المتوترة في بعض الفترات تؤكد أن عالم السياسة الدولية يسير بالطريقة هذه، وإذا ما عارضت دولة معينة خطوات اقتصادية في دولة أخرى، لا يعني أن هناك مشروع دولي لتخريب الدولة، إنما هي مصالح دولية تختلف وتتوافق حسب طبيعة الظروف الراهنة، والحكومة الناجحة ليست التي تبكي من الظلم، كما يقوم الساسة الشيعة، بل تلك التي تستطيع ابتكار حلول جديدة.

ويمكن القول أنه لا يوجد حزب شيعي يخلو تجارب الخوف والمؤامرات بالطريقة التي يتحدث بها الكثير من السياسيين، فالنائبة عن التيار الصدري مها الدوري، وفي إحدى اشهر مقابلاتها التلفزيونية تقول أن إسرائيل تمنع إعمار مدينة الصدر المتهالكة.

رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وزعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، وباقي الزعماء يستمتعون بالإعلان عن اكتشاف المؤامرات، ويعتبرونها من الانجازات التي تستحق الإشادة.

هذا الخطاب السياسي المنتشر عبر وسائل الإعلام يعيد انتاج الخوف والذعر لدى الجمهور الشيعي، ويرسخ سردية المظلومية والتعرض للحرب من قبل أعداء حقيقيين أو وهميين، وكل ما يحتاجه السياسي لتمرير رسائله التخويفية جمهور سطحي ومؤامرة يخلقها في دماغه.

وصفة بسيطة لإنتاج أكبر مكون خائف في العراق، يقضي أفراده مجمل حياتهم يحاربون الأعداء، ويعيدون انتخاب نفس الزعماء السياسيين الفاشلين لأنهم الأقدر على اكتشاف المؤامرات، والأكثر كفاءة في حفظ حقوق المكون المسلوبة من الآخرين.

والفائدة الوحيدة من تخويف الجمهور الشيعي هي السيطرة عليه من قبل زعمائه السياسيين الحاليين.

أما أضرار أسلوب التخويف السياسي والإعلامي، فتتمثل بحرمان العراق من طيف اجتماعي واسع كان من الممكن الاستفادة منه في إصلاح الوضع المتردي لو اتبعت أساليب واقعية في انتاج الخطاب السياسي والإعلامي المحفز على التغيير والتقدم.

اضف تعليق