مع انه لم يسترزق من الصباح الباكر حتى الظهر في يوم قائض، اقتربت درجة الحرارة فيه من الخمسين مع رطوبة عالية ألصقت ملابسه بجسمه، لكن العرض الغريب والمثير لصاحب كارتونة صحون (الفرفوري) دفعه للموافقة على حملها والوصول بها الى الطابق الثالث مقابل ثلاث عبارات حكيمة، لكل طابق واحدة، معللا نفسه بأن الحياة ليست مالا فحسب، بل فيها مما هو معنوي لا يقدر بثمن، واستشهد لإقناع نفسه برموز وشخصيات معروفة ضحت بأرواحها دفاعا عن قيم انسانية نبيلة.

لذا شد حزامه وانطلق بحماس الى الطابق الأول، وما ان وصل نهاية السلم وقبل أن يستريح ولو قليلا سأل صاحب البضاعة: ما حكمتك الأولى؟، فقال له: لا تصدق ما يقوله السياسيون عن المستقبل، وكل من قال لك ان مستقبلا زاهرا ينتظرنا بوجودهم قل له: نعم ولا تصدق، امتعض الحمّال من هذا الكلام الذي صار في عداد البديهيات بعد ما يقرب من العشرين عاما على تجربة سياسية مريرة ذاق فيها الناس شتى أنواع الويلات، بعد ان استبشروا خيرا بالتغيير للخلاص من ويلات سابقة.

لكن صاحب البضاعة استطرد بالكلام بالرغم من امتعاض الحمّال الذي قدحت عيناه شررا، يا أخي الذي لم يتمكن طوال هذه المدة من بناء نظام سياسي على اسس متينة وموضوعية وغير قابلة للاختراق والتأويل على حسب الهوى فلا تتوقع للمستقبل منه خيرا، لقد غادرنا المستقبل، وانا من جانبي اعلنت حدادي عليه، وإذا لم تثق بكلامي تأمل فيما يجري، هل للذين يقودون المسيرة صورة معينة للمستقبل؟، وأسأل أهل العلم ان كان لهم قولا يجافي رأيي، فكل ما يحدث يؤكد ان بلادنا ذاهبة للمجهول ان بقت الحال على ماهي عليه. استغفر الحمّال ربه، وصلى على نبيه، وردد مع نفسه: ربما تكون الحكمة الثانية أفضل.

وفي الطابق الثاني بدت مظاهر التعب على الحمّال الذي تصبب جسده عرقا، فاستعجل صاحب البضاعة بسماع الحكمة الثانية، فأجابه: كل من قال لك ان قادتنا بمثابة آباء لنا، قل له: نعم ولا تصدق، وأردف بابتسامة ساخرة: اغسل يديك منهم بسبع صابونات.

فمسك الحمّال أعصابه، وكاد يشتمه لهذه العبارة المعروفة والتي لا تعد حكمة، فلو كانوا آباء لما قضى عمره حمالا، لكنه استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ولام نفسه على قبوله بهذا الأجر التافه.

ومع ذلك واصل صعوده سلم الطابق الثالث غير مكترث لما يقوله صاحب الصحون الذي كانت شهيته مفتوحة للكلام: انهم ينعمون بالعيش الرغيد في القصور تحت التبريد، بينما نتلوع نحن تحت لهيب الصيف وتعثر الكهرباء، مثلا: اذا مرضوا يسافرون الى خارج البلاد لمعالجة أنفسهم، بينما نحن نراجع مستشفيات متهالكة لا دواء شافي فيها، هل رأيت أبا حقيقيا يفضل نفسه على أهل بيته، بل ويدع الأمراض تفترسهم، وفوق هذا الضيم تنهش بهم مخالب الأطباء والصيدليات الخاصة أمام أنظاره، ويعرف عين اليقين ان غالبية مالكي الصيدليات فقدوا القيم الانسانية لمهنتهم، ووصل الأمر ببعض الأطباء صرف دواء لأغراض التصريف وليس لعلاج المرض، ولو كان الأمر بيدي لمنعت المسؤولين من العلاج في الخارج، ليكون حالهم كحالنا، ربما عند ذاك يهتمون بنظامنا الصحي.

وضع الحمّال كارتونة الصحون على حافة نافذة ليسترجع أنفاسه، فسلم طابق واحد متعب لرجل قضى ثلاثة أرباع عمره حمالا، وقد يأس من انتظار الغد المشرق الذي وعده المسؤولون به مذ اختط شاربه، وبأنفاس متقطعة طلب سماع الحكمة الأخيرة، فقال صاحب الصحون: كل من قال لك ان الأمريكان أخطأوا في سياستهم بالعراق قل له: نعم ولا تصدق، غضب الحمّال وطلب من صاحب البضاعة السكوت، ودفع كارتونة الصحون لتسقط من الطابق الثالث الى الأرض قائلا: كل من قال لك ان صحنا واحدا سيبقى سليما قل له: نعم ولا تصدق.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق