مثّل النظام السياسي بشكله الحالي، ركنا أساسيا في العملية الديمقراطية الناشئة في العراق بعد عام 2003، وكان بقاءه يمثل تحدياً مهماً للسياسيين بمختلف مكوناتهم وانتماءاتهم، لكن ما كان يحصل هو أن الخلافات تركزت على القيادة والزعامة، أكثر من التركيز على الحفاظ على هذا النظام ومنع أي تهديد له..

البرلمان وبعد خروج نواب التيار الصدري، وتأدية البرلمانيين الجدد اليمين الدستورية أصبح خط التحرك فيه أكثر انسيابية، مع أغلبية مريحة نسبيا لقوى الإطار.. لكن بالمقابل لا يمكن التعويل كثيراً على هذه الأغلبية التي تتمتع بها "الشيعي" خصوصاً وان منافسه الأشرس بات خارج البرلمان، ما يعني أن فرصة تحقيق حكومة قوية قادرة لم يعد سهلا..

بقاء السيد مقتدى الصدر خارج اللعبة السياسية، يشكل خطراً على الدولة ونظامها السياسي، فربما سيلجأ إلى تحشيد الشارع، أو تأجيجه للضغط على القوى السياسية، لتكون دائماً تحت سطوته وتأثيره..

الوضع الدولي والإقليمي يرى حالة العراق، على أنها صراع بين معسكرات موالية للغرب أو لطهران، لكن الواقع يتحدث عن صراع من اجل الحكم، وتعدى مرحلة "الشخصنة" في المواقف، وبات أي صراع سياسي، يمثل تنافسا سياسيا من اجل السلطة لاغير..

يمكن للجمهور الشيعي أن يتحول إلى الشارع، ليعبر عن مواقفه الرافضة للحكومة والقوى السياسية، ورداً على المأزق السياسي منذ ثمانية أشهر، إلى جانب الإخفاقات الكبيرة في معالجة أهم الملفات، سواءً في الجانب الاقتصادي أو السياسي أو الخدمي، بالإضافة إلى نقص الكهرباء والذي لم يجد المعالجات المطلوبة والحلول الناجعة منذ 2006.

الوضع السياسي يحتاج إلى إعادة هندسة وليس تغيير، وحمايته بقوة الدستور والقانون، والوقوف بوجه أي تهديد له، وما عداه قابل للتغير والاجتهاد السياسي، لذلك على القوى السياسية ان تعول كثيراً على إعادة ترميم النظام السياسي، وتسعى أن يكون محور عملها وتغيرها، في كيفية إيجاد الرؤى المشتركة في تشكيل أي حكومة قادمة، وإيجاد المشتركات بين هذه القوى، على أن لا يتم إبعاد احد من هذه القوى، بل ينبغي أن تكون في خانة المعارضة أو الحكم.

ربما المتغير الوحيد بعد الانتخابات الأخيرة، ضمن متغيرات عديدة، بل وريما أهمها هو التغير في هندسة التحالفات السياسية، فالجميع خرج من التحالفات التقليدية ليطرح نفسه كمثابة للجميع، وعابر للقوميات والطوائف.. والجمع حمل شعار "الحرب على الفساد" فلم تعد التحالفات القديمة تتحكم بالعملية السياسية، وأهم شاهد عليها هو رئاسة البرلمان، وكيف انقلبت البوصلة لتتجه نحو الحلبوسي رئيساً للبرلمان العراقي بدلاً من خالد العبيدي، وعلى اغلب الظن فإن رئاسة الجمهورية ستكون المرحلة الثانية من انقلابات دستورية محتملة، تحولات المشهد السياسي راساً على عقب، لان ما يجري اليوم من تغييرات في هذا المشهد، ما هو إلا إعادة رسم لعشر سنوات قادمة وبناء هيكل دولة جديد، وإعداد واستعداد لمرحلة قادمة تنسخ كل المراحل السابقة، وتعيد فتح المشهد من جديد في تعاطيه مع الدولة دون الحزب.

اضف تعليق