عند الحديث في السياسة تستطيع صناعة دائرة مربعة، بدون خسارة توصيفها كشكل هندسي اسمه الدائرة، كما تستطيع رسم مربع دائري بعكس الطريقة التي صنعت بها الدائرة، مع احتفاظه بتوصيفه كمربع. إنها السياسة يا ناس! إنها فن الممكن!

هكذا تبدو الأمور سهلة عند الكتابة وفرض الاحتمالات، ضعها في سياق منطقي لتبدو كأنها جهد علمي يبحث في ظاهرة يمكن تغييرها عبر تغيير توصيفها أو غلافها الخارجي فقط مع بقائها على واقعها كما هو دون تعديل.

تستطيع رصف الكلمات بدون دليل علمي، مع الربط بين الأمنيات والأحلام من جهة، وتغليفها بالمنطق من جهة أخرى، لقد انتهيت الآن من صناعة دائرة سياسية مربعة، أو صناعة مستبد عادل، إنه صناعة عبثية تجمع المتناقضات الشبيهة بتناقضات الدائرة المربعة أملاً بالهروب من فوضى الديمقراطية المستوردة إلى الاستبداد المغلف بالعدالة.

في ظل الفوضى التي يعاني منها العراق أصبحنا نسمع وقد يستمتع الكثير من المواطنين والخبراء والسياسيين في الحديث عن حاجة العراق إلى النظام الرئاسي وإلغاء النظام البرلماني، فالأزمات المتواصلة تستخدم كدليل إثبات على عدم صلاحية منظومة سياسية مستوردة لبلد مثل العراق.

والرغبة في النظام الرئاسي تخفي حنيناً عميقاً لذلك النظام الاستبدادي الذي يحكم بالحديد والنار لكي يعالج مشكلة الفوضى التي ترافق النظام الديمقراطي، لأن الحاكم المستبد يشعر المواطن أن الشرطي الذي يقف في الشارع له القدرة على حمايته من المخاطر المحيطة به.

وفي حكم الاستبداد لا يعلو صوت فوق صوت الحاكم، يقرر ثم ينفذ، وبعد عدة أشهر تكتمل المشاريع التي أمر بإنشائها، بينما لا تجد القرارات طريقها إلى التنفيذ كما هو حال رؤساء الوزراء في ظل الحكم الديمقراطي.

الحاكم المستبد يختصر المسافة بين القرار وتنفيذه، وتلك صفة تكسبه ما يسمى بـ"الهيبة"، إنه مخيف، ولا يستطيع أحد الاعتراض عليه، لا يوجد قانون، وأوامره بمثابة القانون الذي يسري على الجميع.

يستطيع الحاكم المستبد إشباع الحاجات الحيوانية لدى المواطنين، وبعبارة أدق يصنع "وهم الإشباع"، فالخطاب الشائع الآن يصور الحاكم المستبد على أنه قادر على توفير الغذاء مجاناً كما كانت البطاقة التموينية المجانية، وله أسلوب إبداعي في حل المشكلات التي تعترض سبيل تقدم البلاد.

ولتأكيد قناعاته يتعكز خطاب الاستبداد على ضعف الذاكرة الشعبية فيما يتعلق بالتناقضات بين الماضي والحاضر، وغياب الدراية والمعلومة السليمة فيما يتعلق بتناقضات الاستبداد والديمقراطية.

عند مقارنة الماضي الاستبدادي بالحاضر الديمقراطي، يختزل العهد الاستبدادي بقدرته على علاج الأمراض التي انتشرت بعد غيابه، ليدلل على أن وجود الاستبداد هو الضامن الأفضل للخلاص منها، على سبيل المثال يطرح الآن أن النظام الاستبدادي علاج مضمون لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.

وفي شأن الأنظمة السياسية التي ما زالت على قيد الحياة، فالمقارنة تكون بين دول الرفاه النفطي الاستبدادية، مع الدول بدأت حياتها الديمقراطية خلال الفترة المتأخرة التي لا يتعدى عمرها بضع عقود من الزمن.

مزاعم متعددة تساق من أجل تلميع صورة الاستبداد لدى العراقيين، مستغلة نقص الاشباع في حاجات فشل النظام الديمقراطي في تحقيقها، ويراد من كل هذه المزاعم خلق تصور على أن ما فشل فيه النظام الديمقراطي يستطيع الاستبداد تحقيقه، مع شرط واحد. أن يكون المستبد عادلاً.

كيف يجتمع الاستبداد مع العدالة؟

من ينادون بحكم الاستبداد العادل في وقتنا الحاضر لم يستطيعوا الرد على خصوم الاستبداد الذين يقولون أن الاستبداد والعدالة لا يجتمعان مثلما لا يجتمع المربع والدائرة في شكل هندسي واحد.

نحن نعيش الآن في هذا العالم المتقدم ونستطيع انتقاء كم هائل من النظم الاستبدادية، سوف نفشل في إيجاد مستبد عادل واحد.

يكفي المستبد فعلاً واحداً يجعله غير عادل، فهو لا يوزع حرية الرأي والتعبير بالتساوي بين أبناء الشعب، ويختصره على نفسه وحاشيته، لذلك يسيطر على أجهزة الإعلام والنشر ويحصر وظيفتها في تلميع صورته ونظامه، أي أننا نكون أمام خطاب أحادي لا ينقل إلا إيجابيات الحاكم المستبد.

وعلى هذا الأساس تظهر صورة المستبد ناصعة لدى الرأي العام، لا تشوبها الأخطاء، فالمظلوم لا يستطيع الصراخ بمظلوميته، والجوعان يعيش حرباً شرسة داخل معدته بينما تعم السكينة فمه ولسانه، لأنه يعرف إن أخرج لسانه معترضاً وطالباً للطعام يقطع لسانه بكل سهولة.

وإذا أراد المستبد أن يكون عادلاً يتطلب ذلك منه توزيع حرية الرأي والتعبير بين الشعب، والتوقف عن قمع المخالفين، وفي حال تحقيق هذا الهدف يكون الحاكم المستبد قد تخلى عن صفة الاستبداد وانتقل إلى شكل آخر من الحكم لا يشبه الاستبداد في شيء.

اضف تعليق