التخلف الحضاري كظاهرة إنسانية اجتماعية لم يصنعها الاستعمار وحده

قراءة في العوامل والنظريات

إن التخلف ليس بنية ثابتة لتتطور وتتمدد. بل هي ظاهرة لا تتوقف عن النمو والحركة والعمل، بحيث إنها كانت في حقبة زمنية سابقة، لم تطل جوانب معينة من حياة الإنسان، فإن بقاء هذه الظاهرة واستمرارها كفيل بوصولها إلى بقية النواحي والجوانب.

فالتخلف كالكائن الحي، لا يتوقف عن النمو، بل يتطور وتكتمل عناصره، وتتأكد تأثيراته، وتتعمق بنوده في مجمل الحياة الإنسانية مع مرور الزمن وتقادمه.

فالتخلف لا يقف عند حدود استعارة النظم والهيكليات الإدارية والقانونية مثلا، بل يتعداها ويصل إلى عقل الإنسان ووجدانه وطريقة تعبيره عن أشيائه وأموره وموقفه من أزمنته الثلاثة، ودقائق أموره الخاصة والعامة، إنه يحاول استيعاب حياة الإنسان كلها، بحيث تكون كل تصرفات الإنسان وأموره العقلية والجسمية وليدة التخلف وأخلاقياته العديدة.

والذي يؤكد خطر التخلف على حياة الأفراد والمجتمعات، هو أن التخلف كعقلية وأخلاق وسلوك، ليس كائنا ماديا محسوساً في جوهره، بحيث إنه يمكن للإنسان أن يشخصه ويحاربه في دائرة التشخيص المادي المحسوس، بل هو يتسلل إلى حياة الإنسان بهدوء وبدون ضوضاء، ويتمكن من الإنسان دون أن يشعر بذلك. ومن هنا تنبع خطورة التخلف. ولهذا لا نجد إنسانا (حتى ولو كانت تصرفاته وفق المعايير الموضوعية متخلفة) يعترف بتخلفه، وإن ما يقوم به من أعمال وتصرفات هي من نسق معرفي وسلوكي يعاكس الحضارة والتطور.

لهذا فإن علاج هذه الظاهرة، لا يتم عن طريق القضاء على النتائج والآثار، وترك الجذور والمنابت الأصلية لتلك الظاهرة. بل ينبغي أن تتجه المعالجة إلى جذور هذه الظاهرة وعناصرها الأصلية وأسبابها الجوهرية، حتى تتم المعالجة من الجذور وتتم صياغة الإنسان وفق منظور معرفي حضاري، يضاد منظور التخلف في المنطلقات والأبعاد والمجالات.

ولكن أمام هذا التخلف الشامل، الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي، اختلفت النظريات في تفسير هذا الواقع وسبل الخروج منه. وبإمكاننا إيجاز هذه النظريات، التي تفسر واقع التخلف الذي يعيشه عالمنا العربي والإسلامي كالتالي:

1) نظرية الداخل:

وجوهر هذه النظرية ومحورها الأساسي قائم على الاعتقاد بأن القيم التقليدية (وفي الإطار العربي والإسلامي القيم التقليدية تعني قيم الدين) هي العقبة الأساسية والكؤود أمام تحديث المجتمعات المأزومة والمتصفة بصفة التخلف. وبالتالي (تقرر هذه النظرية) أن الخروج من هذا المأزق والأزمة، لا بد أن يستند على تغيير الثقافات التقليدية، عن طريق تبني قيم التحديث التي تعني هنا القيم الغربية. وبالتالي فإن هذه النظرية تدعو وتدفع باتجاه الذوبان في الإنموذج الثقافي والحضاري الغربي، ومن ثم العمل على إعادة إنتاج التجربة الرأسمالية الغربية في العالم العربي والإسلامي.

وفي الإطار الاقتصادي يرى أقطاب هذه النظرية وأنصارها ضرورة تغيير البنية الاقتصادية التقليدية، حتى يتمكن العالم العربي والإسلامي الضعيف اقتصاديا من اللحاق بركب الدول الاقتصادية الكبرى.

ويتوزع عالمنا العربي والإسلامي بين نظريات شتى يجمعها قطب واحد، هو اللحاق بالأنموذج الاقتصادي الغربي. فانتشرت نظرية

(مراحل النمو) التي دعا إليها "روستوف" ونظرية (الحلقات المفرغة) التي ربطت بين التخلف والفقر وقلة الميل إلى الادخار لدى الأفراد، وتدعو إلى ضرورة المحاكاة الثقافية، واستيراد التكنولوجيا والتقنية الحديثة من الغرب.

وجماع المسألة في هذه النظرية، أنه حينما استشرت ظاهرة التخلف الشامل في جسم العالم العربي والإسلامي. اعتقد البعض (أقطاب هذه النظرية) أن لهذه الظاهرة جذوراً أساسية في البنية الفكرية والثقافية للعالم العربي والإسلامي. وإن علاج هذه الظاهرة لا يتم إلا بإقصاء هذه الجذور والمنابت الأصلية المتوفرة في الجسم العربي والإسلامي. لهذا فقد حارب هؤلاء (الدين) باعتباره أصل الداء والبلاء، وأنه هو العقبة الصلبة أمام دخول العالم العربي والإسلامي عالم التقدم والتطور. واعتبروا أنه بمقدار إقصائنا للمنظومة الدينية من حياتنا بذات المقدار يكون تقدمنا وتطورنا ويضربون مثلا بالعالم الأوروبي الذي لم يستطع التقدم والخروج من دوائر التخلف والانحطاط إلا بإقصاء الدين ومؤسسته (الكنيسة) عن مسرح الحياة.

وخلاصة الأمر: إن تخلفنا ناتج عن وجود عوامل داخلية تفرز هذه الظاهرة وتحافظ عليها وتطرد كل أسباب التطور وعوامل التمدن من الجسم العربي والإسلامي. وإن إنهاء هذه الظاهرة لا يمكن أن يتحقق على المستوى العملي إلا بإنهاء تلك العوامل الداخلية وعلى رأس هذه العوامل الداخلية، التي تمنع التقدم والتطور في رأس هؤلاء (الدين)، فهو الذي يولد قيم التخلف ويحافظ عليها، ويمنع الانعتاق من آسارها.

وإن تقدمنا مرهون بمدى استطاعتنا القضاء على هذه العوامل الداخلية التي تمنع التقدم وتعيق التطور في حركة الأفراد والمجتمعات. ويشير إلى هذه المسألة طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) الصادر عام 1938م بقوله: ولكن السبيل إلى ذلك إلى القوة والعزة والرخاء ليس في الكلام يرسل إرسالا، ولا في المظاهر الكاذبة، والأوضاع الملفقة. وإنما هي واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء. وهي واحدة فذة ليس لها تعدد وهي:

أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقتهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب..

2) نظرية الخارج:

وفي قبال تلك النظرة التي ترى أن أسباب التخلف متوفرة في الداخل العربي والإسلامي. هناك نظريةُ وتوجهُ آخر، يرى أن الخارج بما يشكله من استعمار ومؤامرات وضغوطات دولية ومصالح اقتصادية وسياسية غير متوازنة، هي الأساس في دخول العالم العربي والإسلامي نفق التخلف الشامل.

فالسبب الرئيسي لتخلف مجتمعاتنا هو وجود عامل خارجي، يضغط في تجاه تجفيف منابع القوة في هذه المجتمعات، ويتجسد هذا العامل الخارجي في الحركة الاستعمارية.

فالتخلف ليس وليد البيئة الداخلية للمجتمعات العربية والإسلامية بل هو وليد الحركة الاستعمارية ومخططاتها الجهنمية، ومؤامراتها الشيطانية، التي تسعى إلى نهب ثروات هذه المجتمعات وتجزئتها وإخضاعها سياسيا وعسكريا لهيمنتها.

وفي الإطار الاقتصادي نشأت مدرسة ونظرية اصطلح على تسميتها بـ (التبعية) وهي نظرية نشأت أول ما نشأت في أمريكا اللاتينية. وفكرتها الأساسية هي أن التخلف لا يمثل الحالة الأصلية للمجتمع في العالم الثالث، بل نشأ التخلف وتطور من خلال أساليب الخضوع للنفوذ الرأسمالي. وبالتالي فإن محاكاة الغرب وتطبيق نماذجه السياسية والاقتصادية لا يؤدي إلا إلى المزيد من تنمية التخلف وتعميقه ووصوله إلى كل أجزاء الجسم.

فتأخرنا وتخلفنا لا يرجع إلى عوامل داخلية ذاتية، تعيشها مجتمعاتنا كما يرى أصحاب النظرية الأولى. بل يرجع بالدرجة الأولى إلى عوامل خارجية، تتجسد في الاستعمار ومؤامراته. فهو السبب الأساسي لتخلفنا. وإن تقدمنا وتطورنا متوقف على قدرتنا في طرد الاستعمار السياسي والاقتصادي والعسكري من حياتنا. فهو سبب فقرنا وتجزئتنا ومشاكلنا الداخلية واهتراء هياكلنا الإدارية وضعف أدائنا الاقتصادي والسياسي.

وهكذا نجد أن نظريات التخلف في الفكر العربي المعاصر، تتأرجح بين التأكيد على العوامل الداخلية، وإغفال الخارجية منها والعكس.

ونحن أمام هاتين النظريتين اللتين تفسران أسباب وجذور ظاهرة التخلف الحضاري في عالمنا العربي والإسلامي. إننا نرى أن جذور التخلف متوفرة في مجتمعاتنا. وان هذه الجذور هي التي صنعت الأرضية المناسبة لاستقبال ميكروبات وأمراض الخارج. وهذا ما يطلق عليه المرحوم مالك بن نبي بمصطلح (القابلية للاستعمار) بمعنى أن الاستعمار لا يمكنه أن يغزو مجتمعاً، ويحقق انتصارات في هذا الصدد إلا على قاعدة نفسية داخلية مفادها وجود ثغرات في الجسم الداخلي والبناء الذاتي يتسلل منها الاستعمار ويستطيع من خلالها أن يوطد له موطئ قدم في الداخل العربي والإسلامي. وحتى تدوم مصالح الاستعمار ويستمر في هيمنته ونهبه للثروات والامكانات، فانه يقوم بدور تعزيز ظاهرة التخلف ويعمقها بأساليب شتى في الوطن العربي والإسلامي. حتى يتسنى له الاستمرار والديمومة في التحكم بمصائر الناس وثرواتهم المختلفة.

فالتخلف الحضاري كظاهرة إنسانية اجتماعية لم يصنعها الاستعمار وحده بل هي موجودة في داخلنا وعن طريقها دخل الاستعمار ووظفها لصالح بقائه واستمراره.

وبهذا نقرر أن التخلف هو وليد العوامل الداخلية والخارجية مجتمعة. وإن تعطيل فعل العوامل الخارجية مرهون بقدراتنا على إنهاء العوامل الداخلية المولّدة لظاهرة التخلف الحضاري.

فالاستعمار ليس سببا مباشراً لتخلفنا بل هو نتيجة طبيعية وموضوعية لظاهرة التخلف إلا أن الاستعمار لا يقف مكتوف الأيدي، بل يمارس دوراً سلبياً يتجسد في تعميق التخلف وتوسيعه.

التخلف والعمل المطلوب

وفي هذا الدهليز نما التخلف وتشعبت أبعاده ونخر في كل الأبنية الاجتماعية - الاقتصادية - الثقافية - السياسية في الواقع العربي والإسلامي. وأصبحت هذه الظاهرة تعيق كل عمل ومشروع وتوجه اقتصادي أو ثقافي أو سياسي يتجه إلى التقدم وإزالة رواسب التخلف

ثمة مهام ووظائف عديدة، تنتظر النخب في العالمين العربي والإسلامي. وذلك لأنه بدون العمل المتواصل لإزالة المشاكل، وتفكيك الظواهر المرضية في الاجتماع العربي المعاصر، ستبقى هذه المشاكل والأزمات تضغط سلبا على كل الواقع العربي.

لهذا فإن العمل المطلوب لتجاوز مآزق الراهن، عديد ومتنوع، إلا أن على رأس هذه الأعمال، يأتي العمل الذي يتجه إلى التخلص من ظاهرة التخلف، والانعتاق من كل أسبابها وآثارها الشاملة.

وأمام ظاهرة التخلف، تلك الظاهرة المرضية والمتعددة الأبعاد والمتنوعة المشارب. دخل الفكر العربي في متاهة ودهاليز طبيعة العلاقة بين العوامل الداخلية، التي تفرز التخلف والعوامل الخارجية. وأيهما أسبق في التأثير، وأجدى في صنع هذا الظاهرة - الأزمة.

وفي هذا الدهليز، نما التخلف وتشعبت أبعاده ونخر في كل الأبنية الاجتماعية - الاقتصادية - الثقافية - السياسية في الواقع العربي والإسلامي. وأصبحت هذه الظاهرة تعيق كل عمل ومشروع وتوجه اقتصادي أو ثقافي أو سياسي يتجه إلى التقدم وإزالة رواسب التخلف.

ويشير إلى هذه المسألة (سمير نعيم) إلى هذه الحقيقة بقوله: "إعاقة نمو نمط الإنتاج القديم وتطوره إلى نمط الرأسمالي - الصناعي كما حدث في المجتمعات الغربية. وقد تمت هذه الإعاقة عن طريق استنزاف فائض الإنتاج وتصديره إلى الخارج وعدم السماح بتراكمه داخليا. وإن آثار التغلغل الرأسمالي لم تقتصر على هذه الإعاقة لنمو نمط الإنتاج القديم وتطوره، بما يشتمل عليه من قوى إنتاجية وعلاقات إنتاجية ذلك الإنتاج أنه قد خلق واقعاً اجتماعياً - اقتصادياً شديد التعقيد، يمكننا تسميته بالتكوين الاقتصادي - الاجتماعي المشوه أو غير المتوازن، الذي يضم نمطاً أو أنماط الإنتاج التقليدية، من حيث القوى الإنتاجية والعلاقات الإنتاجية جنباً إلى جنب مع نمط إنتاج رأسمالي محدود، ذي توجيه خارجي، يضم قوى إنتاجية متقدمة وعلاقات إنتاجية تقوم على الفصل بين المنتجين ووسائل إنتاجهم".

وكل ذلك بسبب ظاهرة التخلف وآثارها الشاملة لأنها تؤدي إلى تهرؤ البنى التقليدية للمجتمع دون أن تزول تماماً وخلق بُنى شبه حديثة دون أن تكتمل أو يسمح باكتمالها تماما على حد تعبير الدكتور (سعد الدين إبراهيم). فأضحى الفكر العربي بشعاراته السياسية والتعبوية، ومنتوجه الثقافي والأدبي، وأنشطته المنبرية الأخرى رهين هذا الاشتباك بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية ودورهما في صنع ظاهرة التخلف. وقد انعكس هذا الاشتباك على الأنماط السلوكية والإستراتيجيات الاقتصادية، ومشاريع التنمية الاجتماعية وطبيعة النظام الثقافي والإعلامي.

فالنظرية التي كانت ترى في أن التخلف ظاهرة من صنع العوامل الخارجية، ركزت في نشاطاتها المختلفة على محاربة الاستعمار والإمبريالية واتجهت إلى الاقتصاد الاشتراكي القائم على هيمنة الدولة على كلّ الأنشطة التجارية والخارجية، وأوجدت نظاماً ثقافياً وإعلاميا مغلقاً لا ينفتح على الثقافات الإنسانية ولا يسمح بالتعددية الإعلامية والثقافية.

أما النظرية التي كانت ترى في أن التخلف جاء من جراء العوامل الداخلية، فهي تحارب القيم الأصلية في المجتمع وتصفها بالجمود والتقليدية، واتجهت نحو بناء اقتصاد مكشوف ذي علاقة هيكلية بالاقتصاد العالمي، ويشجع على الاحتكاك بالغرب سياسة وثقافة واقتصادا. وحارب كل القوى والمواقع التي تشكل - تقليدياً - مواقع وقوى ترفض النهج الغربي في الإدارة والسياسة والاقتصاد. واستخدم في سبيل ذلك كل مقدرات الدولة وإمكاناتها لإنهاء تلك القوى وتجفيف تلك المنابع والمواقع.

وبهذا أصبح عالمنا العربي كيانات متناقضة تعيش عدم التجانس السياسي والاقتصادي ومن ثم الاجتماعي. من جراء ذلك الاشتباك في تحديد من هو المسئول عن ظاهرة التخلف وكيفية الخروج من هذا الواقع المأزوم.

ونحن إذا استعرضنا المحاولات الفكرية والنهضوية في عالمنا العربي والإسلامي الهادفة إلى إنهاء ظاهرة التخلف وتحقيق معاني وأطر التقدم في مجتمعاتنا. لو راجعنا هذه المحاولات ابتداء من برامج محمد علي باشا ومشروعاته في مصر، وانتهاء بمحاولات العقدين الماضيين، ورصدنا الجهود التي بذلت في هذا السبيل. لوجدنا أن كل هذه الجهود لم تحقق النقلة والقفزة المطلوبة. هذا على الرغم من أن مجتمعات شبيهة أوضاعها بأوضاعنا استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة تقاس بالعقود لا بالقرون، أن تنهي ظاهرة التخلف من كيانها، وتحقق قفزات هائلة في مضمار التطور والتقدم.

وفي تقديرنا أن السبب في ذلك يرجع إلى نمط الاستفادة من مفاهيم التقدم وأنظمة التطور الموجودة في العالم الأوروبي. إذ أن هذا النمط الشكلي والمبتسر، ألغى تاريخية هذه المفاهيم. وحينما ننزع مفهوم التاريخية من هذه المفاهيم فإننا في حقيقة الأمر نقوم بتجميدها في الزمان والمكان اللذين نشآ فيه. وهذا التجميد يكون مكانيا، بحيث تقتصر هذه المفاهيم، على مجموعة من الناس أو مجتمع معين، زمانيا، لتقصير على حقبة زمنية معينة. ولا شك أن التجميد المكاني، يعني الدعوة إلى إبطال قدرة المجتمعات الأخرى، على إنشاء نظام عملها ومفاهيمها الخاص بها.

والتجميد الزماني، يعني التعلق بحقبة تاريخية معينة وافتراض أن نظام العلم مثلا (كمفهوم أساسي من مفاهيم التقدم) هو النظام العلمي الاجتماعي الذي يجب الوقوف عنده أو الاقتداء به أو الاكتفاء به، أو غير ذلك من قياسات.

وبهذا تتحول مفاهيم التقدم إلى مفاهيم مجردة خارجة عن إطار الزمان والمكان وخلفياتهما الاجتماعية والاقتصادية والحضارية. وهذا ما يفسر لنا العجائبية والتناقض الغريب الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية لها. ففي الوقت الذي يتزايد عدد الجامعات، وتتزايد أعداد الخريجين الجامعيين على شتى المستويات، وتتكاثر مؤسسات البحث العلمي، ويتكاثر استجلاب الأجهزة والمعدات العلمية والتكنولوجية المتقدمة من شتى بقاع العالم، ويتسع انفتاح الوطن العربي واتصاله الفكري والثقافي والعلمي والفني والاقتصادي وفي الوقت الذي تتضخم فيه مظاهر التمدن والتحضر، وتنمو البنية التحتية بشكل متسارع للغاية.

وفي الوقت الذي تدفقت فيه الثروة النفطية وغيرها من ثروات المواد الخام، والتي بلغ مجموع عائداتها خلال الخمس عشرة سنة الماضية فقط ما يقارب من (1500) مليار دولار. وفي الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الكتب المنشورة والمجلات والجرائد والإذاعات والاتصالات عبر الفضاء. في الوقت نفسه نلاحظ أن جوهر التقدم للأمة هو في تراجع. فالإنتاج العلمي لا يزال ضئيلاً والانفتاح تحول إلى انكشاف. وتراجع دور الفكر ودور الثقافة، وتراجع دور العقل ودور العلم في مواجهة تحديات الحياة.

وأصبحت الاعتمادية في الفكر وفي العلم وفي الثقافة وفي الاقتصاد وفي التكنولوجيا وفي الغذاء والأمن هي السمة البارزة للمجتمع العربي، وللمؤسسة العربية، وللدولة العربية، وهي اعتمادية متفاقمة وتتوافر عليها الإحصاءات الكمية والنوعية، بشكل لا يحتاج إلى تأكيد. وكل ذلك بسبب غياب تاريخية مفاهيم التقدم والتطور في العقلية العربية.

وهنا ينبغي أن لا نخلط بين المفاهيم الأساسية للتقدم في الفضاء العربي والإسلامي وبين تاريخية تلك المفاهيم.

حيث إن الاهتمام بتاريخ المفاهيم ومعرفة السياق التاريخي والظرف الزماني الذي نشأ فيه ذلك المفهوم يعد عملاً علميا وذا فائدة عميقة لإدراك مدى تطور حركة المفاهيم في الإطار المعرفي العربي والإسلامي.

إما أن يتحول هذا الاهتمام إلى إغفال عن تاريخية تلك المفاهيم، فإنه يوصلنا إلى القبول النهائي، بإنجازاتنا التاريخية الماضوية، ونعيش راهننا على أمجادها (على المستوى النفسي والوجداني) وعلى إنجازات الآخرين (على المستوى العلمي والفعلي).

اضف تعليق