يحيي الشعب الفلسطيني الذكرى الـــ74 لنكبته الكبرى، نكبة فلسطين، ونحن العرب نعيش الذكرى، كما نعيش نكبات شتى على امتداد الجغرافيا العربية، فثمة خيط رفيع للغاية، لكنه واضح وضوح الشمس، لمن يريد أن يرى، بين تاريخي 15 أيار 1948 و15 أيار 2022، هذا الخيط هو حال العرب الذي لا يغيظ عدواً ولا يسر صديقاً ولا يدفع محايداً للخروج من جموده، وهو حال ناتج فعلياً عن عوامل قصور ذاتية لم يجرِ تجاوزها وتصحيحها داخلياً، ما سمح للخارج بالبناء عليها لتنفيذ مخططه القاضي بتأبيد إسرائيل.

في ذكرى النكبة وبعد سبعة عقود ونيف عليها نجد أن نحو نصف الفلسطينيين مسجلون لدى وكالة الغوث الدولية "الأونروا" باعتبارهم لاجئين ويعيشون بنحو ستين مخيماً رئيسياً في المنطقة والعالم، ومعظمهم يتركزون في الأردن وسورية ولبنان وبقية الدول العربية.‏ ومع أن قرارات الأمم المتحدة وخصوصاً القرار 194 تدعو إلى حق العودة والتعويض معاً إلا أن إسرائيل ومن خلال المفاوضات الفارغة من أي مضمون حولت حق العودة إلى مشكلة معقدة وتحاول كل الأطراف الدولية العدوانية تأجيلها إلى ما يسمى المرحلة النهائية من المفاوضات مع أن المراحل الأولية لم تثمر عن عودة أبسط الحقوق الفلسطينية.

لقد شكلت أحداث نكبة فلسطين وما تلاها من تهجير، وولادة ظاهرة اللجوء الفلسطيني داخل وخارج فلسطين، مأساة كبرى للشعب العربي الفلسطيني، فقد جرت عملية تطهير عرقي، تم من خلالها تدمير وطرد شعب بكامله، وإحلال جماعات وأفراد من شتى بقاع العالم مكانه، وتشريد ما يربو عن ثمانمائة ألف مواطن فلسطيني من قراهم ومدنهم من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 في 1.300 قرية ومدينة فلسطينية، عدا عن المواطنين العرب من سوريا ولبنان والأردن، والذين كانوا يقيمون في فلسطين بشكل دائم بقصد العمل، حيث انتهى التهجير بغالبيتهم إلى عدد من الدول العربية المجاورة (دول الطوق: الأردن وسوريا ولبنان) إضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلا عن التهجير الداخلي للآلاف منهم داخل الأراضي التي أخضِعَت لسيطرة الاحتلال عام النكبة وما تلاها بعد طردهم من منازلهم والاستيلاء على أراضيهم.

وحسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني في رام الله، وتحديدا يوم 13/5/2020، فقد سيطر الاحتلال الإسرائيلي خلال مرحلة النكبة على 774 قرية ومدينة فلسطينية، حيث تم تدمير 531 منها بالكامل ومسحها من الوجود، وبناء المستعمرات مكانها، وما تبقى تم إخضاعه إلى كيان الاحتلال وقوانينه، وقد رافق عملية التطهير هذه اقتراف العصابات الصهيونية أكثر من سبعين مجزرة بحق الفلسطينيين أدت إلى استشهاد ما يزيد عن خمسة عشر ألف مواطن فلسطيني.

ووفق معطيات المكتب المركزي للإحصاء، فقد بلغ عدد السكان في فلسطين التاريخية عام 1914 نحو 690 ألف نسمة، شكلت نسبة اليهود 8 في المائة فقط منهم، وفي العام 1948 بلغ عدد السكان أكثر من مليوني نسمة، منهم حوالي 31.5 في المائة منهم من اليهود، وقد ارتفعت نسبة اليهود خلال تلك الفترة كما هو ملاحظ، بفعل توجيه ورعاية هجرة اليهود إلى فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني، حيث تضاعف عدد اليهود أكثر من ستة مرات خلال الفترة ذاتها، وقد تدفق بين أعوام 1932 و1939 أكبر عدد من المهاجرين اليهود، وبلغ عددهم نحو 225 ألف يهودي، كما وتدفق على فلسطين بين عامي 1940 و1947 أكثر من 93 ألف يهودي. وبهذا تكون فلسطين قد استقبلت بين عامي 1932 و1947 ما يقرب من 318 ألف يهودي، ومنذ العام 1948 وحتى العام 1975 تدفق أكثر من 540 ألف يهودي، عدا عن موجات الهجرة من دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى فلسطين عامي 1990 ـ 1991، وهي موجات الهجرات الأكبر في تاريخ قيام دولة إسرائيل، والتي تم بفعلها إحداث التحول السكاني اليهودي بعد أن كانت أعداد المواطنين العرب على أرض فلسطين التاريخية قد تجاوزت أعداد اليهود. وعلى الرغم من تشريد أكثر من ثمانمائة ألف مواطن فلسطيني في عام النكبة 1948، ونزوح أكثر من مائتي ألف فلسطيني غالبيتهم إلى الأردن بعد حرب حزيران ـ يونيو 1967، فقد بلغ عدد الفلسطينيين الإجمالي في العالم في نهاية العام 2019 حوالي 13.4 مليون نسمة، ومع العام 2020 نحو 13.6 مليون فلسطين، ما يُشير إلى تضاعف عدد الفلسطينيين أكثر من تسعة مرات منذ النكبة عام 1948، أكثر من نصفهم (6.64 مليون) نسمة على أرض فلسطين التاريخية.

فالمسألة لا تتعلق بالتأريخ للنكبة أو تنشيط ذاكرة وطنية وقومية، بقدر ما هي حالة نقدية وتبصر للمستقبل فيه استعراض لمسار أكثر من سبعين عاماً من الصراع العربي ـ الإسرائيلي. علينا اليوم أن نعترف، أنّ النكبة اليوم ليست فقط هزيمة عربية حصلت، أو أرضاً احتلت، أو حقوقاً اغتصبت، أو مقدسات دنست، أو شعباً شرد في أربع جهات الأرض... النكبة اليوم إخفاقات عربية، وجسم عربي قومي فقد المناعة تجاه الاحتلال الإسرائيلي... وللتذكير فقط فطبيعة إسرائيل، أصبحت واضحة أكثر فأكثر، فهي لا تعنيها السلام، بل هي دائمة البحث عن المشكلات والحروب في إطار تنفيذ مشاريعها العدوانية الاستعمارية وتحقيق أطماعها التوسعية التي تتجاوز المنطقة، وهي دائمة التطلع لاغتصاب أراض جديدة إذ ما زال شعار "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل" متداولا في الأوساط الإسرائيلية، وهذا ما يفسر محاولاتها العبثية في شمال سورية والعراق وكذلك في جنوب السودان وصولاً إلى أثيوبيا، في الوقت الذي تمارس أجهزتها الاستخباراتية عمليات الاغتيال والتخريب في أماكن ابعد من ذلك لخدمة نفس المشروع الاستعماري التوسعي.

إنها النكبة المتخمة سنواتها العجاف بالعار الدولي، أربع وسبعون عاماً ولا يزال المجتمع الدولي يقف صامتاً أمام هذه الممارسات ويقف عاجزاً أمام تطبيق قراراته الصادرة عنه في مجلس الأمن والجمعية العامة في الأمم المتحدة التي تقر بحقوق الشعب الفلسطيني في العودة إلى دياره وتقرير مصيره بإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف. فالأمم المتحدة والمجتمع الدولي يتعاملان مع الحقوق الثابتة للفلسطينيين بسياسة الكيل بمكيالين، وينهجان سبيل المعايير والانتقائية في تطبيق قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، هذه القرارات باتت وكأنها مجرد رقم في ملف القضية الفلسطينية الأطول والأقدم في أروقة الأمم المتحدة والتي عرّتها الحرب الأوكرانية الروسية، فالعالم يرى في أوكرانيا بطولة وفي فلسطين إرهاباً، لا يجيز احتلال أوكرانيا ولكنه يجيز احتلال فلسطين منذ 74 عاماً، هذا العالم.

إن الاحتلال والذي أراد من النكبة أن تكون هي الميدان لقضم المزيد من الأرض، وفرض مستوطناته وزج الشباب الفلسطيني في السجون والمعتقلات، إضافة إلى ارتكاب الجرائم والمذابح، وسيطرة قوانينه الباطلة وغير الشرعية على الشعب والمدن والقرى والبلدات، إلا أن النكبة كانت ومازالت هي الحافز الأهم على المقاومة وفي أن تظل القضية الفلسطينية هي البوصلة، وهي الرافعة القومية العربية، فقد تحدثت إسرائيل مراراً وتكراراً عن الأرض التي سلبت والتي تقوم بتهويدها، بالادعاء أن جيل النكبة وبعد أن يأخذ به العمر، سينسى الأبناء والأحفاد دروس ومعاني ودلالات وعبر هذه التجربة القاسية مع الاحتلال، إلا أن كل الأجيال التي أعقبت النكبة، كانت أشد إصراراً وتمسكاً بالحقوق في مواجهة الاحتلال وكافة صنوف العدوان المتوحش والمتغول على الشعب والأرض والمصير. وقد كان صادقاً أحد اللاجئين بدولة أوروبية حينما قال: "نحن لسنا في هذه الدنيا بخالدين، لكن أجيالنا ستولد من جديد في الوطن، والمنافي والشتات، ولن يموت الحلم بوطن ما زال وسيبقى اسمه فلسطين".

خلاصة القول: لن تغلق القضية الفلسطينية لأي سبب، سواء بطريقة متعمدة أو بحالة افتراض، ولكونها أدت إلى ولادة أزمات في المنطقة فيمكن القول أنها تآخت وإياهم، صارت لهم وصاروا لها، ومهما افتكر البعض أن وضعهم الوطني بعيد عن قضية فلسطين فهم مخطئون لأنهم لصيقون بها، وكلما فكروا بها بعيدة عنهم، سيرونها الأقرب إليهم. ونحن العرب نعيش الذكرى الـ74 للنكبة، كما نعيش نكبات شتى على امتداد الجغرافيا العربية، لابدّ لنا من أن نتدارس عوامل القوة والضعف في تقديم قضيتنا، قضية الأرض، والاحتلال الإسرائيلي، واغتصاب الحقوق، وماذا خضنا في هذا المضمار، وكيف خضناه، وما المعطيات الجديدة التي يجب أن نتحرك وفقها كي لا نعيش المستقبل ونحن نحيي ذكريات من دون أن نتمكن من تحرير الأسرى أو تحرير الأراضي المغتصبة وإعادة اللاجئين والنازحين والوافدين إلى ديارهم المقدسة.

* كاتب صحافي من المغرب

اضف تعليق