بعد العام 2003 وحيث تم الترويج بقوة لفكرة تقسيم العراق تحت مسمّى الفيدراليَّة، صار البعض ممن يمسكون الأمور من ذيولها يروجون الى أن الفيدرالية تحفظ وحدة العراق!، والسبب هو أنهم قرؤوا الأمر انطلاقا من تداعيات آنية فرضتها ظروف الأشهر والسنين الأولى بعد الاحتلال، فتبنوا بوعي او من دون وعي طروحات القوى التي رفعت التقسيم شعارا مدعية أنها تختزل الشعب، كلّ من موقعها!

لا شك أن بعض المروجين اندفع تحت رغبة الحصول على مكاسب شخصية، وبعضهم الآخر تحت ضغط الهبة الإعلامية وقتذاك، وصاروا يقسمون الشعب في أذهانهم على أسس طائفية او عرقية او غيرها، أي باتوا على مقاس الساسة أصحاب مشروع التقسيم او اللا دولة!

ثقافة اللا دولة هذه مازالت تعمل في أذهان البعض ويتم الترويج لها بأساليب متعددة، سواء بأعمال فنية تسعى الى تكريس البعد الطائفي أو بأطروحات إعلامية تقسيمية تجعلها بعض الفضائيات محورا لنقاش بين شخصيات متفقة ضمنا على محور الموضوع وتختلف في تفصيلاته، بقصد تكريسه في الواقع.

قبل أيام حصلت ضجة بسبب تصرف إعلامي وجدت الجهات الرسمية المعنية فيه إساءة للمؤسسة العسكرية، إذ ظهر في أحد البرامج فنان أعطي له دور ضابط كبير في الجيش وراح يسأله الإعلامي المستضيف لكي يكتشف من خلاله كم الفساد في تلك المؤسسة.

الشيء الغريب أن كثيرين رأوا في هذه (ضربة إعلامية)! من دون أن يضعوا في حساباتهم أن القيمة المعنوية للجيش وتاريخه لا يختزل بسلوك البعض فيه، وإن كثروا، وأن إبقاء تلك القيمة في أذهان الناس يتعزز من خلال رصد الأخطاء وحالات الفساد ومعالجتها من دون المساس بالمؤسسة التي هي وعاء تؤطره قوانينه الخاصة ويستوعب جميع فئات المجتمع لخدمة الشعب من خلالها، وأن تقديم الجيش بهذه الصورة أمام العالم، حيث البث الفضائي المفتوح لا يخدم معركتنا ضد الفساد أبدا.

وبعيدا عن الذي حصل بعد تلك الضجة، نؤكد هنا على أن مثل هذه البرامج وغيرها من تلك التي تستخف بتاريخ هذه المؤسسة أو تتعرض لها بالتجريح، تحت مبررات ظرفية عابرة، إنما تنطلق من ثقافة اللا دولة التي قبرتها ثورة تشرين المباركة، ونسعى جميعا الى التخلّص منها بعد أن دفعنا بسببها الكثير من الدم والوقت والمال.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق