في استفزاز جديد متعمد لمشاعر المسلمين في شهر رمضان الكريم، أقدم زعيم حزب "الخط المتشدد" الدنماركي "راسموس بالودان"، الخميس 14/04/2022، على إحراق نسخة من القرآن الكريم في مدينة لينشوبينغ جنوبي السويد تحت حماية الشرطة، بمنطقة يقطن فيها مسلمون، وأشعل النار بالقرآن دون أن يعير اهتماما للتنديدات الصادرة عن حشد يقدر عدده بـ 200 فردا، وناشد الحاضرون في المكان، الشرطة بعدم السماح للعنصري "بالدوان" بتنفيذ استفزازه، إلا أن الشرطة لم تستجب لندائهم.

وقد عرفت السويد مظاهرات، على مدى يومي الخميس والجمعة، احتجاجا على خطة حركة يمينية متطرفة إحراق نسخة من القرآن، ما أسفر عن مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن. وقد أعربت عدد من الدول العربية، الاثنين 19/04/2022، عن استنكارها وإدانتها الشديدة لإقدام متطرفين في السويد على إحراق نسخ من القرآن الكريم، باعتباره عملًا استفزازيا لمشاعر المسلمين وإساءة بالغة لمقدساتهم وتحريضا على الكراهية والعنف.

للأسف الشديد، فقد أصبح من الواضح أن الإساءات ''الجماعية المنظمة أو الفردية'' للدين الإسلامي أو للمقدسات الإسلامية ترتبط بشكل مباشر مع معزوفة حرية التعبير. منتهى الإسفاف، في التبرير، عندما يتعلق الأمر بالمقدسات الإسلامية، في مواجهة حماية الحريات الشخصية... في لحظ المزاج العام السائد في الغرب عموماً، فإن حرية النشر والتعبير مقدسة، ولا يمكن بحال من الأحوال المساس بها، بغض النظر عن ما يمكن أن تخلفه تلك الحريات من حساسية أو استفزاز على الضفة المقابلة أو المستهدفة، فيما الذريعة التي تبررها النخب الغربية الحاكمة تقول إن ذلك يأتي "تماشياً مع مبدأ العلمانية" التي تبناها الغرب، وهي التي "قادت إلى حضارته التي يشهدها راهناً"، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، وفق التبرير عينه، خفض سقوف العلمانية - آنفة الذكر- الآخذة بالتعالي تبعاً لحراك تطور المجتمع.

قد تبدو هذه السياقات السابقة "منطقية" للوهلة الأولى، أو إنها "مقنعة" من حيث المبدأ الذي تتبناه، لكنها في العمق تعاني من عطب منهجي لا يظهر إلا في السياقات التي تعلمها التجارب التاريخية، والأخيرة تقول إن الأديان والمذاهب، هي نتاج تراكم تاريخي بات يمثل مقدساً دينياً، ومن العبث انتقاده لأن الفعل يمثل مساساً بمعتقدات الناس وإيمانهم، وما يجب انتقاده هو الإيديولوجيات المذهبية التي هي فعل تراكم للسياسات التي استولدتها مصالح معينة فرضت ولادة تنظيمات متطرفة باتت منتشرة على نحو واسع، وهي مرشحة لمزيد من الانتشار طالما بقيت تلك المصالح قائمة.

فأي قيمة تبقى لقبول تعدد الأديان والثقافات، وأي احترام يبقى لها إذا اعتبر تبادل انتهاك الحرمات الدينية بين أتباعها مزاولة لحق حرية التعبير؟ أخال أن هذا التخريج القانوني ـ اذا جاز التعبير ـ سيؤدي في النهاية إلى انهيار بناء هذه المنظومة من المفاهيم والقيم التي يتفاخر بها الإعلام الغربي ليل نهار، ويدعو شعوب العالم إلى تجسيدها. وأيا كان، ونظراً لانتشار التنوع الديني والمذهبي والثقافي في مختلف دول العالم، وفي ضوء الترابط والتشابك الوثيقين بين دول العالم، فإن من شأن انتهاك المقدسات الدينية لهذا الفريق أو ذاك أن يسبب إخلالا بالأمن والسلم المجتمعيين في كثير من الدول في العالم، وقد ينعكس سلباً على مصالحها وعلاقاتها. فلا بد من وضع سقوف واضحة ومحددة لممارسة حرية التعبير بحيث لا تنتهي إلى التفلت والفوضى والتعدي على مقدسات الغير وإحداث فتن وتوترات دينية وعقائدية بين شعوب العالم.

يشعر المسلمون بالألم العميق لهذا التشويه المتعمد لسمعتهم وسمعة وتعاليم دينهم وقرآنهم الكريم، ولا ينبغي أن نكتفي بالشجب أو الإدانة عندما يساء إلى ديننا وإسلامنا وقرآننا ولمقدساتنا... بل لابد من تحرك عملي، ينتج عنه مراجعة السياسات الغربية، بدلاً من الموقف الغربي الناقص والمائع... إن الخطوة القادمة، بالتحرك إزاء حث الأمم المتحدة لإصدار قانون دولي ملزم، بمنع إزدراء الأديان، هي خطوة وإن كانت متأخرة، إلا أنها تحتاج إلى إرادة سياسية، حان الوقت الآن لتحقيقها... ولابد من إدارة دبلوماسية إسلامية، على مستوى عال من الحرفية، للوقوف في وجه هذه الإساءات، وتفعيل العديد من الاتفاقات والمعاهدات الدولية، التي تحظر ازدراء الأديان.

فالدول الإسلامية تستطيع إصدار تشريع عالمي بمنع ازدراء الأديان. فالتوصية الصادرة من الأمم المتحدة عامي 2005/2008 منعت ازدراء الأديان وصدرت بموافقة 85 دولة وامتناع 42 ومعارضة 50 وبالتالي تستطيع وفقا لهذه التوصية التقدم بتشريع ملزم تتبناه الأمم المتحدة أو التوصل لاتفاقية دولية بين الدول الأعضاء. ألا تستطيع الدول العربية والإسلامية أن تستصدر قرارا أمميا ملزما يحرم الإساءة إلى الأديان والمقدسات الدينية عموما؟ بخاصة أن هناك أكثر من 120 دولة من دول حركة عدم الانحياز وهي في مجموعها لابد أن تقف في صف صدور تشريع أو قرار كهذا؟‏ أيضا علينا أن نفهم الدول الداعمة لمثل هذه الاستفزازات أنها يمكن أن تدفع ثمنا باهظا إن هي استمرت في استفزازنا والإساءة إلى ديننا وقرآننا وقيمنا؟

لقد آن الأوان من أجل أن تتجاوب الأسرة الدولية مع هذه المطالب العادلة، فتسن قانوناً دولياً ملزماً يحمي الإسلام ومقدساته وسائر الديانات الأخرى في العالم، من الحملات الظالمة التي تستهدف تشويه السمعة والتحريض على كراهية الشعوب بسبب انتمائها الديني، ولن يكون هذا القانون بدعة تخترع بسبب إلحاح المسلمين، إنما هو أمر معمول به في بريطانيا، حيث يوجد قانون يحمي المسيحية وقانون آخر يضمن حماية اليهود والسيخ، ولن يضار أحد في العالم إذا استفاد العالم كله من التجربة البريطانية ووسعها لتكفل حماية الإسلام وسائر الديانات الأخرى.

هذا القانون أصبح اليوم مطلباً ضرورياً مستعجلاً ليس فقط من أجل حماية الإسلام والمسلمين من خطاب التحريض والكراهية ضدهم، لكن أيضاً من أجل حماية بقية الأديان، ومن حماية حرية التعبير والحيلولة دون استخدامها شعاراً تتستر به النزعات العنصرية وأيضاً من أجل السلام العالمي ومن أجل إتاحة الفرصة لتنمية علاقات الصداقة والتعاون بين المسلمين وأوروبا وبينهم وبين الغرب عموماً.

* كاتب صحفي من المغرب

اضف تعليق