من بين الدروس المبكرة التي تعلمناها، عندما كنا في مدرسة قريتنا الابتدائية القريبة من الاهوار، درس الالتزام بأوقات الدوام.. الحكاية ببساطة، ان احد زملائنا التلاميذ في الصف الخامس، يتقن عملية صيد الطيور المائية بواسطة الشبكة، وكان الوقت شتاء والطيور تكثر في هذا الموسم في المستنقعات القريبة من المدرسة، فعمل بعض المعلمين على استثمار مهارته في الصيد وتركه صباحا في (الدوشة) كما نسميها والتي هي مكمن الصياد الذي ينصب شبكة مموهة قريبا منها ويراقب الطيور حتى تدخلها فيسحب الحبل لتطبق الشبكة على الطيور.

استمرأ بعض المعلمين هذا الامر، حيث يحصلون على اعداد كبيرة من الطيور يوميا، واستمرأ التلميذ هذا الوضع الذي صار يعفيه عن حضور الدروس، وفي الوقت نفسه سيضمن له حصوله على درجات النجاح، كونه مكلفا من قبل معلميه! اذ يأتي احيانا بعد مرور درس او درسين، لا أتذكر .. في احد الايام وبينما كنا في الصف وكان معلمنا الاستاذ ناجي محيبس، رحمه الله يشرح لنا الدرس، طرق التلميذ الباب ليدخل، وحجته طبعا هي انه أخذ الاذن من المعلمين، لكن الاستاذ ناجي الذي لم يكن راضيا اصلا عن هذا الوضع، قال له؛ (مرة ثانية اذا جيت متأخر ما اقبلك بالصف)!!

كان كلام المعلم مفاجئا لنا، لان رغبات معلمينا وقتذاك بمثابة أوامر، فكيف الأمر مع أوامرهم التي يتمنى كل واحد منا ان ينفذها! دخل التلميذ وقد احرجه هذا التعنيف والتهديد، واعتقد انه لم يذهب الى (الدوشة) مرة اخرى بعد تلك الواقعة التي علقت بذهني، ولعلي استحضرها الان مع النواب الذين صاروا ينفذون أوامر رؤساء كتلهم بعدم الحضور لجلسات البرلمان، وهم سعداء بذلك طالما ان رواتبهم مستمرة وينتظرون المزيد من الامتيازات الاخرى.

الشيء الذي قد لا يتوقعون حدوثه هو ان (معلما) حازما على غرار معلمنا، قد يقف لهم عند باب البرلمان يوما ما ويوقفهم، بعد ان تراكمت عليهم الغيابات، ويرفض دخولهم، لانهم استوفوا اسباب الرسوب.. لا استطيع ان اصف شكل المعلم الان، لكنه قد يأتي بصيغة قرار من المحكمة الاتحادية وقد تكون هيأة رئاسة البرلمان نفسها... وقد يكون، وهو الاكثر ترجيحا على شكل عاصفة غضب شعبي تكمل ما بدأته ثورة تشرين ... والله اعلم!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق