تتطلب الرؤية للأمن المستدام في مناطق المحررة من تنظيم داعش الإرهابي إيجاد منهجا متجددا لإدارة متطلباتها لاسيما في مناطق سهل نينوى، لاحظت خلال مشاركتي في مؤتمر "تعزيز الانتعاش الاقتصادي للمشاريع الصغيرة والزراعة في سهل نينوى" الذي انعقد في فندق بابل، بحضور نخبة من المعنيين ان هذه الرؤية المستدامة ما زالت خارج سياقات الاهتمام من السلطات التنفيذية او التشريعية بل وحتى المحلية.

تحدث في المؤتمر السيد هوكر جتو شيخا رئيس مجلس أمناء منظمة باو المنظمة للنشاط بالتعاون مع محافظة نينوى، و جامعة الحمدانية، وقائمقامية الحمدانية، ونواحي برطلة والنمرود وبعشيقة، والدوائر المعنية مع ممثلين لعشرة من الجمعيات التعاونية الفلاحية في مجال زراعة الحنطة والشعير والخضروات وتربية المواشي والدواجن والنحل التي تمثل (6260) فلاحاً ومزارعاً من كل المكونات في سهل نينوى ملخصا مطالب صغار المنتجين والمزارعين والجمعيات الفلاحية في الإسراع في دفع التعويضات للفلاحين المتضررين جراء الحرب لدحر داعش، وفقاً للسياقات المعمول بها لممثلي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة الزراعة والنواب وثيقة تحمل تواقيع أكثر من 15 ألف مواطن ومواطنة يدعمون المطالب المطروحة في الوثيقة.

كلما تقدم يطرح السؤال الأهم والابرز عن المسؤولية الحكومية لأمن مستدام في هذه المناطق من خلال تلبية الاحتياجات الإنسانية الضرورية غير الملبّاة لعودة النازحين داخلياً في سياق الافتقار إلى سياسات حكومية مناسبة في التعامل مع عودة النازحين داخلياً وإدارة الشركاء المُنفِّذين المتعددين لاسيما بسبب البيروقراطية وانعدام التنسيق بين الحكومات المحلية والمركزية والجهات المانحة الدولية والتباين الواضح بين التعاريف المختلفة لما هو الاستقرار، مما يؤثر على اختيار المؤشرات المُحدَّدة للاستقرار، والبرامج المُصمَّمة لتحقيقه كعوامل مهمة في الوصول إلى المناطق لتنفيذ مشروعات تحقيق الاستقرار.

اعتقد ان الأمن المستدام في هذه المناطق ينبغي أن يجعل تصميم المشاريع بطريقة واقعية ومرنة ومُراعية للظروف المحلية من الأولويات، لأن الدور الذي تضطلع به المنظمات غير الحكومية أصبح دوراً حاسماً في تقديم خدمات مختلطة في قطاعات مختلفة، مع الاعتراف بان هذه المنظمات غير الحكومية تضطلع بأدوار مطلوب من الحكومة المحلية في محافظة نينوى النهوض بها من خلال التواصل مع الجهات المانحة أولا وتطبيق مبدأ "الحياد" في تلبية الحاجات الإنسانية لاستدامة الحياة في مجتمع زراعي يجعل العودة الطوعية حاجة ملحة عند النازحين وليس واقعا طاردا لهم.

لذلك المفترض ان يتحسن واقع الاستجابة من الحكومة المحلية والجهاز التنفيذي للحكومة الاتحادية، لاسيما وان المشرع العراقي خصص في موازنة 2021 أموالا للصرف على هذه التعويضات وتحسين الإمكانات المعيشية لخلق ظروف استدامة الأمان المعيشي الذي يتمثل في الحرص على دفع المستحقات المالية للفلاحين في التوقيتات الزمنية المحددة وعدم تأجيلها لسنوات لأي سبب كان.

لكن يبدو من خلال مجريات النقاش في اعمال المؤتمر هناك حاجة ملحة إلى بناء قدرة السلطات المحلية، وكذلك إلى إصلاحات تنعش زراعة الأراضي كمصدر رزق للعائدين يحقق الرفاه الاجتماعي ويوفر الخدمات الأساسية، فإن بناء قدرات الإدارات الزراعية الصحية والتعليمية في نينوى يعتبر أمراً محورياً لتقديم خدمات عادلة وذات جودة للنازحين داخلياً في مناطق المنشأ والنزوح.

لعل ابرز توصية يمكن الخروج بها من اعمال المؤتمر تتجسد في تسهيل الإجراءات الروتينية لتأسيس الشركات الزراعية الكبيرة وتشجيعها للتعامل مع منتجات الفلاحين والمزارعين في كيفية تجميع المنتج وتحويله إلى الاقتصاد الزراعي المستدام، بتنظيم العمل وتأسيس اعمال تعليب وتسويق المنتجات الزراعية لدعم المزارعين والفلاحين بالأساليب الزراعية الحديثة وتقليل الاعتماد على الطريقة التقليدية في الإنتاج، على رأسها زراعة الحنطة والشعير التي تعتمد على الأمطار الموسمية المتذبذبة.

التوصية الأخرى البارزة في اعمال هذا المؤتمر ان عراق اليوم ومع كل وقائع الانسداد في العملية السياسية وما تثيره من تفكير سلبي، الا ان الكثير من المنظمات غير الحكومية تعمل على ترسيخ واقعا جديدا في هذه المناطق المحررة من براثن داعش كنوع متميز من التفكير الإيجابي بممكنات التغيير نحو الأفضل، يبقى من يدعم هكذا جهود عراقية تزيل غبار النزوح عن مناطق عراقية عزيزة في سهل نينوى؟؟ سؤال مطلوب الاجاية عليه من خلال اعمال اللجان البرلمانية والبرنامج الحكومي المقبل.. ولله في خلقه شؤون!!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق