لا يستحق المثقف حمل هذه الصفة في مجتمعاتنا الا اذا ترافقت مع بعض الاكسسوارات في المظهر او المشي او طريقة الكلام.

فيما يتعلق بالمظهر، سادت موضة (الكاجوال) وتعني: إتّفَاقِيّ ؛ تَصَادُفِيّ ؛ سَبَبِيّ ؛ طارِئ ؛ عَرَضِيّ ؛ عِليّ ؛ عابِر ؛ عارِض ؛ مُتَبَدِّد ؛ مُتَفَرّق ؛ مُتَقَطّع، والتي تنعكس على عدم الترتيب في الهندام، يرتدي اي شيء تصل اليه يداه على (تعلاكة) الملابس، لأنه لا يملك الوقت للوقوف امام خزانته التي تحولت الى رفوف من الكتب المزدحمة.

ولا ننسى غطاء الرأس والذي يشابه ما ارتداه الثائر الكوبي جيفارا وأصبح ايقونة شهيرة لدى معظم المثقفين.

وفيما يتعلق بالمشي، فهو تراه ساهما مفكرا وهو ينقل خطواته على الرصيف، مع حزمة من الصحف والأوراق (يتأبّط اطلاعا) وكتاب او كتابان يكملان الصورة، قد يتعثر بشيء او يسقط احيانا، الا انه يعدل قامته ويواصل سيره وهو يردد: لقد وجدتها (لا تشبه ما وجده ارخميدس).

اما فيما يتعلق بكلامه، فانت تستطيع ان تميز المثقف منذ الكلمة الاولى التي ينطق بها، فهو مولع بكلمات من قبيل الحداثة وما بعدها، والعولمة وخلفياتها، وصراع الحضارات ونهاية التاريخ والانسان الأخير، او لديه ولع غريب بالتناص والاسلوبية، ويردد اسماء عديدة وهو يطوف بين بحور الكلمات متنقلا من موجة هابرماس الى ضفة ألتوسير، ومن بحر فرويد المتلاطم الى ارخبيل يونغ، ثم يأخذ يخوض في بحور اخرى، بين دستيوفسكي وتولستوي، لينتقل الى ماركيز ووليم سارويان، وانت في كل هذا تقف مندهشا فاغرا فمك من التعجب على هذه القدرة التي يتوفر عليها هذا المثقف وهو يسرد تلك الكلمات والاسماء، ثم تأخذ تردد بين نفسك (ليتني مثله).

بعد ان يتمم المثقف امتلاك هذه الاكسسوارات، يلجأ الى طقوس معينة يصر على ان ترافقه في جلسات سمره مع بقية الشلة من المثقفين (مثقفو المقاهي) ، او حين يكون وحده يتأمل احوال الناس والعالم بحثا عن حلول او ابداع افكار جديدة.

الشاي هو المشروب المفضل لأغلب المثقفين بعد ان عاشوا تحولات ثقافية كبيرة بعد العام 2003، ومنهم من يلجأ الى انواع اخرى من المشروبات ويحتج على الحكومة اذا اغلقت نادي اتحاد الادباء والكتاب مثلا.

وبعضهم وهم قليل يلجؤون الى فناجين أو اقداح القهوة، النسكافة او المطحونة، مع علبة سكاير رخيصة ينفثون دخانها وهم يحلمون.

في اشد درجات الحرارة عتوا وغلوا لا يتخلى العراقي عن (استكان الشاي)، فهو يستمتع به رغم كل شيء، اسود ثقيل مع سكر زيادة (لا تنصحني بالاحتراس من مرض السكر).

بالنسبة لكاتب السطور، وهو انا المتحدث، أفضل كوب النسكافة ولدي قنينة كبيرة، (اكس لارج) مع قليل من الحليب او المبيض، التي احضرها بنفسي في مكان عملي او في المنزل.

فكل ما يتطلبه اعدادها هو ماء ساخن وملعقة وسكر (المقادير حسب الرغبة)، ومع الرشفة الأولى يبدأ مفعولها، سرد متواصل عن طريق الحديث مع الاخرين، او بواسطة الكيبورد (تخليت عن الكتابة بالقلم على الورقة).

ربما تلك الصورة الأولى للمثقف والتي وعيت عليها سنوات السبعينات والثمانينات، قبل ان تضاف اليها رتوش وصفات أخرى في التسعينات او بعد العام 2003.

ففي التسعينات، انفتحت مكتبات المثقفين للبيع المنظم وغير المنظم، من اجل حفنة من الدنانير ليسد بها جوعه ومن يعيلهم، ولم يكن في مسألة الهندام يفكر في حرية الاختيار، بل هو مجبر على ما يرتدي من اسمال يشتريها من محلات (البالة) المنتشرة في معظم الأسواق.

بعد العام 2003 ، وانفتاح العراق والمثقف على كل شيء (الانفتاح من الفتح حيث كثرت الثقوب في وعي المثقف) ، أضيفت اكسسوارات جديدة او اضافها المثقف على مظهره ولسانه.

اصبح الان يحمل (اللابتوب) او الأجهزة اللوحية، والتي يخزن عليها مئات الكتب، ويقلب اوراقها بلمسة واحدة. ربما يقضي ساعات طويلة امام شاشة اللابتوب او المحمول، ينظر ببلاهة وبلادة الى مايمر امامه، معلومات، معلومات، لايمكن القبض عليها مثلما كان سابقا يفعل ذلك بين دفتي كتاب، ثم رويدا رويدا ينسحب من محيطه، اصبح المثقف في عزلة.

شاعت الان (من الشياع وليس الشيوعية) على لسانه مفردات جديدة، فهو اخذ يتحدث عن التفكيك، وعن الديمقراطية وحقوق الانسان، وعن التعددية والتسامح، وعن التثاقف والمثاقفة، وما بعد الحداثة، واخذ يتطرق في أحاديثه الى أنظمة الحكم والدساتير، وعن الحريات والعدالة، الخ، الخ، الخ. واصبح لديه رأي في جميع المسائل التي يعرفها او لا يعرفها (المثقف يعرف كل شيء).

لكنه اصبح اكثر عزلة مما مضى، رغم صداقاته العديدة على صفحات التواصل الاجتماعي، والتي حلت بديلا عن المقاهي الثقافية التي كان يتجمع فيها المثقفون سابقا.

وحتى شارع المتنبي، وهو شارع الثقافة والمثقفين، تخلى عن دوره الثقافي الأول وهو ترويج الكتاب، ليصبح ملتقى للاحتجاجات وتوزيع البيانات التي تتصدرها كلمة (نطالب الحكومة) وهي أيضا شعار احتجاجي لاحد الأحزاب العراقية الذي ساد ثم باد كغيره من الظواهر في الثقافة العراقية.

اكتب هذا الموضوع وقد تناولت حتى الان ثلاثة اكواب من النسكافة وعلى ثلاث فترات، في درجة حرارة اقل من الأربعين بدرجتين، لان (السبلوت) وهو اسم التدليل لجهاز المكيف (السبلت) لايعمل بصورة جيدة، ولا يستطيع ان يعمل لعدم استمرار التيار الوطني (لا اقصد الحركة او الجهة السياسية بل تيار الكهرباء الوطنية).

افكر كثيرا في أنطونيو غرامشي الفيلسوف والمناضل الماركسي الإيطالي، والذي يطلق على فلسفته تسمية (الغرامشية) التي هي فلسفة البراكسيس (النشاط العملي والنقدي، او الممارسة الإنسانية والمحسوسة)، وافكر بما طرحه حول المثقف العضوي، واتأمل في أحوال الثقافة التي اختفى منها المثقف، وبقي (العضوي) فيها منتصبا، قائما لوحده.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0